العالم بين ظاهرة “الإسلاموفوبيا”..صناعة الكراهية والتطرف

العالم بين ظاهرة “الإسلاموفوبيا”..صناعة الكراهية والتطرف

كتب : الدكتورعبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب،  أستاذ بجامعة أم القرى بمكة

مستشار المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

ظاهرة الإسلاموفوبيا تعني رد الفعل المتطرف ضد الإسلام والتي ستولد المزيد من المعاناة ومن أعداد المتطرفين، كما يجب أن يعي الجميع أن السلفية ليست اسما مرادفا للإسلام أو فصيلا متفرعا، وإنما منهج من مناهج الإسلام الذي يهدف إلى أن يسير المسلم على خطى وسطية وتسامح أسلافه وكل الفئات المتنازعة تدعي سلامة منهجها، لكن بالرجوع إلى الدين نجد أنه قرر قاعدة منطقية تشير إلى أن القناعات الداخلية لا تفرض، وهذا يؤكد أن أي جماعة لا يحق لها أن تدعو إلى حتمية القناعة برأيها في أي سجال ديني أو فكري أو ثقافي كما قرر الإسلام،.

و في الحديث ( أنا زعيم ببيت في الجنة من ترك المراء وإن كان محقا )، ( وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلى الله ) ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالوا مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ) أي لم يخلقهم للاختلاف بل لترك الخلاف، فالمسؤولية الوحدة ليست مسؤولية الفرد ولا الجماعة بينما الفرد والجماعة مطالبين بعدم الاختلاف والتنازع ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ).

أي ليس شرطا أن يكون الناس كلهم على منهج واحد، لكن الدعوة إلى التفاهم والتعايش وجعل المشتركات أدوات التقاء وتعاون وترك الخلاف الديني والسياسي والثقافي لإبعاد شبح الكراهية التي تعتبر المغذي الرئيسي للتطرف والإرهاب، حيث أن منشأ التطرف وردة فعل التطرف وجهان لعملة واحدة كلاهما يحمل الكراهية والمواجهة، حتى أصبح هناك التقاء بين التطرف والإسلاموفوبيا وكأنهما تحالفا ضد المجتمع، لأن الإسلاموفوبيا أكثر ترحيبا بالتطرف لأنه يحقق له أهدافه بل كل منهما يتغذى على الآخر، وكل منهما ينمو على حساب الآخر.

صحيح أن الإسلاموفوبيا كان قبل مرحلة التطرف مجرد نظريا لكن بعد موجة التطرف التي ضربت أوربا ومنطقة الشرق الأوسط والعالم بأن تحول الإسلاموفوبيا من نظرية إلى ردة فعل مما يوسع من دائرة التطرف والإرهاب ويتحول كثير من الشباب من الاندماج والتعايش إلى الانضمام إلى بؤرة الإرهاب بعدما وجد نفسه بين كراهية الإسلاموفوبيا وبين التطرف الذي قد يكون أكثر إقناعا من أصحاب نظرية الإسلاموفوبيا ويتمكنون من سرقة قلبه وعقله، ومضاعفة أعداهم من خلال إثارة وتعبئة المشاعر الدينية المتسرعة لدى الشباب المسلم وخاصة في البلدان غير الإسلامية، ولكن هل يبرز التسامح من تحت جحيم التطرف والإرهاب؟ خصوصا إذا كان المجتمع واعي وهو من أحفاد الفلاسفة والمفكرين والتنويريين.

الإرهاب لا يحكمه نطاق جغرافي كما يعتقد أصحاب نظرية إسلاموفوبيا، بينما الإرهاب محكوم بعالم افتراضي لا حدود له، حيث هناك تقرير أميركي يوضح أن داعش يخاطب غربيين إلكترونيا ومتطوعون يبتكرون أساليب جديدة، لذلك فإن الإرهاب يتمدد ليس عن قوة عسكرية بل عن طريق الأفكار التي يمتلكها ويتفوق بها على غيره ويخترق بها مستهدفيه عبر وسائل التواصل الحديثة.

التطرف الإرهابي المعاصر ليس له مدرسة دينية محددة وهم عبارة عن خليط، وحسب آخر إحصائية له أكثر من مائة دولة جند منها أكثر من خمسة وأربعين ألف مقاتل يتحدرون من اتجاهات فكرية متعددة لهدف واحد، ويحرص على استقطاب المزيد من العناصر وبشكل خاص من السعودية نظرا لما تمثله من ثقل ووزن إسلامي مثلما انتظر أسامة بن لادن أن يجمع انتحاري أحداث 11 سبتمبر بأن يكون أغلبهم من السعودية.

مثلما تحاول إيران ويحاول أعداء السعودية بإثبات بأن أغلب الجهاديين في سوريا والعراق هم من السعودية لإثبات بأن السعودية مصدرة للإرهاب، من أجل أن تتحول إلى غطاء على تصدير إيران للثورة الإيرانية إلى سوريا والعراق والمنطقة عبر مليشيات الحرس الثوري الذي لديه تعليمات بعدم التعرض لداعش، وبالفعل لم تقاتل إيران ولا مليشياتها وحتى روسيا داعش في سوريا، بينما شكلت إيران مليشيات لقتال داعش من أجل تأسيس مليشيات على غرار حزب الله في لبنان، مليشيات يكون ولاؤها لإيران وتأتمر بأوامر إيران ، وسيكون مصير تلك المليشيات الذوبان والرضوخ لأوامر الدولة خصوصا بعد التقارب بين السعودية والعراق والتي توجت بزيارة أبو الغيط أمين عام الجامعة العربية استعدادا لمرحلة جديدة يقوم العراق بدوره العربي بعيدا عن الهيمنة الإيرانية.

تدرك إيران وتدرك الجماعات المتطرفة الإرهابية أن الإرهاب تلقى ضربات قاسية من السعودية عسكريا وفكريا، رغم أن السعودية تعاني من أفكار متحفظة عانى منها المجتمع، لذلك من الخطأ أن يطلق الغرب على التطرف بالإرهاب الإسلامي فيما أن الدين الإسلامي برئ من الدعوة للعنف ويحمل في مضامينه إثارة لمشاعر المسلمين.

تجدد الجدل القديم الحديث في أوربا حول موضوعات الهوية والاندماج، فيما يجري النفخ في مناخ الإسلاموفوبيا باستخدام هاجس الأمن والإرهاب، التي ارتبطت بالانتخابات والتي تتمحور حول وعود بإغلاق جميع مراكز المهاجرين من الدول الإسلامية وإغلاق المساجد، لكن لم يكن الناخب الهولندي لم يكن مستعدا لذلك، وحزب فيلدرز ليس الوحيد الذي يلعب على المشاعر الشعبوية ومشاعر التخويف من المسلمين والإسلام ففي فرنسا كذلك تلعب ماري لوبان زعيمة الجبهة الوطنية المتطرف على نفس هذه القضايا، وفي ألمانيا يأمل حزب البديل لألمانيا الشعبوي المتطرف في توظيف خطاب العداء للمهاجرين.

قد يكون الفكر الإسلامي هو الآخر أسير سردية فضائل دولة الراشدين وما عدى دولة الراشدين فهي سلطة فاسدة، لذلك فهو يرفض دولة المؤسسات والمصالح العمومية أو الدولة المدنية رغم أن أول من طبقها الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة مع اليهود التي سميت بوثيقة المدينة، أي لكم ما علينا وعليكم ما علينا، وهي تسمى اليوم بالمواطنة.

لذلك فهم يصرون على الدولة الدينية والخلافة الإسلامية والإمامة وأخيرا الصحوة الإسلامية، ولم يتمكنوا من أن تلك اجتهادات بشرية، مما أوجدت مواجهة في علاقة الدين بالدولة مما غيبت لديهم رؤية استشرافية واضحة لعلاقة الدولة بالدين ولا تزال هناك تداعيات سجالية فكرية يختلط فيها السياسي بالهوياتي والثقافي مما يوقعهم في الفخ مما أخر خروج الممارسات الدينية من الأفق المسدود خصوصا فيما يتعلق بالعلاقة بين الدين والدولة، والدين والجماعة، والدين والعالم، استثمرت هذا الأفق الضيق جماعات ولاية الفقيه وولاية المرشد  لدي الفئتين الشيعة والسنة، بينما لا تزال المواطنة يتهددها التحدي الديني والخوف على الدولة.

Dr_mahboob1@hotmail.com

الدكتورعبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب

 

 

 

اخر المقالات