السجون بين التفريخ والتجنيد. بقلم بشير الوندي

السجون بين التفريخ والتجنيد. بقلم بشير الوندي

كتب، بشير الوندي، باحث في علوم الاستخبارات

المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

مدخل

السجن هو مستوعب عالم الجريمة ومكان تراكم انواع الجرائم والقصص الغريبة , واذا ارادت الاستخبارات ان تعرف وتتابع وتبحث وتدرس وتفهم الجريمة فعليها الذهاب الى السجون.

فالسجون مكان يمكن ان تعرف فيها افرازات المجتمع واخفاقات الثقافة والوعي , وتكشف فشل المؤسسة التربوية والدينية ومنظومة الاخلاق وكيان العائلة ,  كما انه المكان المناسب لاحصاء نسبة الجريمة وانواع الجرائم والدوافع والاسباب .

ان السجون هي الوجه الاخر للمجتمع او الوجه الخفي الفاشل منه , وللاسف فهناك اختلاف بين البلدان المتخلفة والمتقدمة في نظرتها للسجون .

فبعض الدول تجعل من سجونها مراكز اصلاح حقيقية ومراكز تأهيل وتعليم , بل ذهبت الى غلق السجون واكتفت بالمراقبة الامنية بعد عمل تربوي وعلمي وامني صحيح , وفي دول اخرى يكون السجن فيها مكان للتعذيب او مكان لاعاده التنظيم والاستعداد للاجرام اومحطة اعادة تنظيم للمجرمين.

الا ان الاهم من هذا وذاك هو ان تستغل الاستخبارات السجون افضل استغلال لتحقيق مكاسب معلوماتية هائلة تتيح لها المعرفة والاختراق للعصابات الارهابية والاجرامية .

لقد ورثنا من صدام اقتصاداً مدمراً ونظاماً صحياً ومصرفياً وتعليمياً فاشلاً وضحايا , لكننا ورثنا نظام سجون قوي ومنظم , فياترى اين سجون صدام الحديدية التي لا يهرب منها احد وكيف افلت منها الآلاف بعد ذلك؟.

السجون والعمل الاستخباري

ان افضل مكان للجهد الاستخباري والتعرف على الجريمة وعواملها وقادتها هو السجن , ويجب ان تهتم الاستخبارات بالسجون لانه افضل الاماكن للتجنيد وزرع المخبرين والمصادر وجمع المعلومات واختراق الجريمة , فلابد من بناء علاقة رسمية متوازنة بين مؤسسة اومصلحة ادارة السجون والجهاز الاستخباري وخاصة الاستخبارات الجنائية .

ان القانون العراقي , في تشريع الادارة العامة لمصلحة السجون , لم يضع ممثلا من جهاز الاستخبارات , واكتفى بممثل من وزاره الداخلية , لكن وجود الاستخبارات يكاد يكون حتمياً ولو بشكل غير محسوس.

فالسجون هي هدف حقيقي للاستخبارات الجنائية المحترفة , فبدلاُ عن ان يصبح السجن مركزاً للتجنيد الارهابي والتنظيم العصابي , كما هو حاصل لدينا , يمكن ان يتحول السجن الى مركزا للتجنيد الاستخباري وخرق الارهاب وانتاج اكبر عدد ممكن من المتعاونين والمخبرين.

فالسجون هي عصارة الجهد الاستخباري الامني , وبعد صدور الاحكام يجب ان لا تغفل المؤسسة الاستخبارية عن دورها في السجن فهو ساحة عمل مستمرة للاستخبارات , فسواء كان السجن اصلاحاً او تأديباً او عقوبة , فانه يجب ان يخضع لعين الاستخبارات.

ان السيطرة الاستخبارية  على السجون تعتبر من الضوابط الداعمة للسيطرة على الجريمة فهي بيئة المجرم ويجب ان تعتبر منطقة حمراء وان يكثر فيها النشاط الاستخباري وجمع المعلومات , فيجب ايجاد تصنيف للسجناء والمحكومين في المجتمع الاستخباري وتحديدها حسب خطورة الشخص ومراقبة سلوكهم داخل وخارج السجن.

ويجب ان يتسلح رجل الاستخبارات بعلم النفس الجنائي وان يقوم بدورين في السجون , الشق الاول يتمثل بدور رسمي واصولي من خلال وجود قسم او شعبة في السجن للاحصاء وتدقيق السجلات والجناة والتعمق في التحقيق , وهذا الدور غالباً ما يكون للمكافحة فهي التي تعتقل وتزج المتهم بالسجن وتحقق معه وتستكمل اجراءآت التحقيق ومن ثم الحكم القضائي وتنفيذ الحكم , فمن خلال احصاءات دقيقة يمكن ان تحصل على عمر الجريمة واتجاهاتها ودوافعها واسبابها ومن هو المقصر ولماذا تنشط هكذا جرائم واين اتجاه الجريمة ومن هي الاكثر ومن هي الاقل.

اما الشق الثاني فهو دور التخفي حيث تقوم الاستخبارات بالنفاذ الى السجن من خلال عناصرها , على انهم متهمين , ومن هناك يتم الاحتكاك بالنزلاء والتعامل معهم وكسب ثقتهم والتهديف على من يمكن ان يتعاون ومن يمكن ان يجند , فمثلما يتم ايفاد الطبيب والمدرس الى المناطق الريفية والقرى لمدة من الزمن بعد التعيين , يمكن ايضا زج عناصر الاستخبارات في السجون , كلاً بحسب واجبه ,  للالتصاق بكبار المجرمين و الارهابيين .

ان الافادة الاستخبارية من السجون تتلخص بإتجاهين رئيسيين هما :

1- التجنيد واختراق المنظمات الارهابية والعصابيةوتجنيد عناصرها كمخبرين .

2- تنظيم احصاء دقيق لخارطة الجريمة ومواقع انتشارها وقادتها وعناصرها مما يساعد على تفكيكها .

السجون بين التجنيد والتفريخ

المعركة مع العصابات الاجرامية والارهابية هي معركة كر وفر , وقد يكون من المقبول احياناً ان تستطيع التنظيمات الارهابية او عصابات التهريب والتزييف والمخدرات من ان تكسب بعض المعارك والعمليات لصالحها , وان تستطيع احياناً ان تحقق انتصارات , وان كانت محدودة , وان تقضم اراضٍ وان تجند وتدرب وتكون لها اوكار وتتمكن من التسلح .

الا ان ماهو غير مقبول , هو ان تتمكن تلك العصابات من ان تنتصر على الاجهزة الامنية والاستخبارية وهي خلف القضبان لاحول لها ولاقوة , ومن غير المنطقي ان يتمكن قادة الارهاب والعصابات ان يقودوا قواعدهم ويصدرون اوامرهم وهم في السجون , بل وان يجندوا عناصر جديدة تجعل من السجون مفرخة للارهاب والجريمة .

فمعركة اجهزة الاستخبارات مع المجرمين والارهابيين داخل السجون لابد من ان تكون محسومة بفعل ان لها اليد الطولى في المراقبة والسيطرة , بل لايكفي ان يكون النصر الاستخباري في الحد من نشاطات الارهابيين والمجرمين في السجون , ولايكفي منعهم من التأثير وشل تحركاتهم , بل يجب ان يتوج الانتصار بالتمكن من اختراقهم وتجنيد البعض منهم لتفتيت اتصالاتهم الخارجية وتهيئة البعض منهم ليكونوا مجندين ضد تنظيماتهم , وهو الامر الذي لايأتي بلا مثابرة وعمل دؤوب في اهم مكان يقع , او يجب ان يقع , تحت السيطرة الاستخبارية الكاملة … ونعني بها السجون .

ان السجن , كما هو الحال في العراق , يمكن ان يتحول الى اهم ساحة تجنيد وتفريخ , فيما يمكن استمالة الكثير من المعتقلين ومد يد العون لهم والافادة من علم النفس الجنائي لإعادتهم الى الطريق الصحيح وتحويلهم الى صف الوطن والاستفادة منهم لتنفيذ واجبات ضد شبكات الارهاب والجريمة , ولوكانت الاستخبارات قد استثمرت وعملت بهذا الجهد بشكل تراكمي لسنوات عديدة , لزادت من اطلاعها وتأثيرها وخيوطها ورجالها في جميع مؤسسات الارهاب السرية والتنظيمات العصابية ولحدّت من نشاطهم الاجرامي بشكل كبير , فمقابل بعض الخدمات البسيطة للمعتقل وعائلته , كان بالامكان تحقيق ثروة معلوماتية كبيرة .

فلوكان الجهاز الاستخباري قد عمل على برنامج تجنيد منذ 14 عام داخل السجون , لأصبحت تنظيمات الارهاب ومؤسساتها مخترقة ومكشوفة من قبل الاستخبارات , ولاستطاعت الاستخبارات ان يكون لها قصب السبق والسيطرة الكاملة في ان تضرب متى ما تشاء وتنفذ اي عمل لاضعاف الارهاب من خلال العناصر النافذة داخل خلاياه , الا ان ابتعاد المؤسسة الاستخبارية عن السجون قد اضاع الكثير من الفرص في مجالي التجنيد والاحصاء الدقيق.

ان على الاجهزة الاستخبارية ان تقوم باجراءآت دفاعية وهجومية في السجون , تتمثل الدفاعية منها في شل حركة الارهابيين والمجرمين الكبار داخل السجون , فيما تتمثل الاجراءآت الهجومية الاستخبارية في تجنيد بعض المجرمين منهم لصالح العمل الاستخباري وفي اكتشاف آلية العمل العصابي داخل وخارج السجن والكشف عن القادة من المجرمين والارهابيين وكشف  خطوطهم التنظيمية .

الاجراءآت الدفاعية

ان من اوليات العمل الاستخباري الدفاعي داخل السجون يتمثل بقطع علاقة الارهابيين والمجرمين الخطرين بالعالم الخارجي , وهو امر يأتي بعد تقييم دقيق ومحدث لتصنيف الارهابيين والمجرمين داخل السجون , ومن خلال رقابة الكترونية صارمة لكل زاوية في السجن , ومن خلال تركيب اجهزة تقطع اتصالات النت والموبايل عن السجون , وهو امر يمكن توفيره بأجهزة الكترونية لاتتجاوز اسعارها بضعة مئات من الدولارات لاأكثر .

كما ان من اوليات العمل الاستخباري يتمثل بالتنبه الى تقييم الارهابيين والمجرمين الخطرين والحجر عليهم بعيداً عن اولئك الاقل خطورة من الاتباع , وعن اولئك المسجونين بجرائم من نوع اخف واقل خطورة على المجتمع , لمنع هؤلاء الخطرين من تعبئة الاخرين واعادة شحذ هممهم , وكذلك لتسهيل العمل الاستخباري في السيطرة على الاتباع وتجنيدهم لصالح العمل الاستخباري بعيداً عن سطوة ورصد قياداتهم .

كما ان من الضروري عدم ركون الاستخبارات الى اعتماد نوع عقوبة السجن اساساً في تصنيف كبار الارهابيين  , فقد اثبتت الاحداث ان اغلب الارهابيين في داعش والقاعدة والكثير من تجار المخدرات ورجال العصابات والمجرمين الكبار والخطرين , قد دخلوا السجن لمرة او مرتين وخرجوا منه اكثر تنظيماً دون ان يتم كشف اهميتهم ومراكزهم , بل ان كبار المطلوبين في الارهاب دخلوا السجن عده مرات ولكن لا تتوفر في سجلاتهم  صورة شخصية فوتوغرافية لهم , وهو امر خطير للغاية ومريب في ذات الوقت , لذا فان على الاجهزة الاستخبارية ان تسعى لكشف كبار الارهابيين بغض النظر عن عقوباتهم والجرائم التي ادينوا بها , فقد يسجن ابي بكر البغدادي بجريمة بسيطة ويسجن مجند بسيط بجريمة عقوبتها الاعدام.

ومن ذات المنطلق , فان على الاجهزة الاستخبارية ان تدقق في بعض حالات المسجونين الذين قد تكتشف من خلالها انهم يستشعرون الظلم , وان تراعي اوضاعهم قدر الامكان , لأن تضخم شعورهم بالظلم يجعلهم تحت طائلة التجنيد من قبل الارهابيين .

كما ان على الاجهزة الاستخبارية ان تراعي الحالات الانسانية للمحكومين والابتعاد عن سوء المعاملة للسجناء كي لاتفوت فرصة الاصلاح , ولكي تفوت الفرصة على الارهابيين الذين يستغلون سوء المعاملة المجردة لتجنيد المسجونين الجدد.

كما ان من واجبات الاجهزة الاستخبارية وادارة السجون منع اي خطة للهروب واحباطها.

الاجراءآت الهجومية

ان من اهم الاجراءآت الاستخبارية الهجومية في السجون . تتمثل في دراسة ملفات السجناء بشكل دقيق ومتجرد , والتحديد الدقيق لحالة كل سجين لاسيما النفسية منها , والافادة من كل ذلك في تحديد السجناء , الاهداف , المطلوب تجنيدهم لصالح العمل الاستخباري .

كما تقوم الاستخبارات بالمراقبة الالكترونية والتصنت في كل زوايا السجن ومراقبة تحركات الزعامات الاجرامية في السجون , بالاضافة الى دس عناصر استخبارية كسجناء تتلخص مهمتهم في كشف الزعامات الخطيرة المستترة وتقييم بعض العناصر الصالحة للتجنيد والاندماج في مجتمع المجرمين والارهابيين وكسب ثقتهم مما قد يتطور الى زرعهم خارج السجن في التنظيمات الارهابية والعصابات الاجرامية , كما ان من مهامهم الكشف عن بعض الجرائم التي قد يدلي بها السجناء داخل السجن من باب التفاخر.

ومن الاجراءآت الهجومية الاخرى مراقبة العوائل التي تتردد على الارهابيين في زيارات السجون والتأكد من ارتباطاتهم ومن امكانية نقلهم لرسائل للتنظيمات الارهابية كحلقة وصل ومن ثم كشف تلك الصلات .

كما ان من الاجراءآت الهجومية المهمة ان يجري تسجيل اعترافات بعض الارهابيين والضغط عليهم في التعاون مع الاجهزة الاستخبارية.

رقابة السجناء السابقين

لاشك ان هنالك الكثير من عتاة المجرمين والارهابيين ممن افلتوا من قبضة العدالة سواء من خلال الحكم عليهم باحكام مخففة او بعجز القضاء عن ادانتهم بسبب عدم كفاية الادلة , وكانت الاعتقالات غالباً تتم بلا اية ادلة او اثبات , وان وجدت ,  يتم التلاعب بها لاحقا فيتم اطلاق سراح المعتقل من قبل المؤسسة القضائية لعدم كفاية الادلة او لفساد القضاء وفساد المؤسسة الامنية ,  ناهيك عمن خرجوا بقوانين العفو السياسية التي تتم للاسف بلا تقييم لحقيقة المخاطر , ومن هنا لابد من استكمال العمل الاستخباري حتى بعد اطلاق سراح هؤلاء.

وغالبا ما تقوم الدول بإجراءآت احترازية بعد اطلاق سراح المحكوم او المعتقل , كمنع سفره او تحديد مكان اقامته اومنعه من الحصول على جواز السفر او وثائق جديدة , لجعله تحت السيطرة والمراقبة المستمرة لسلوكه , كما تقوم بعض الدول بمنح المطلق سراحهم من تهم ارهابية بطاقة هوية حمراء خاصة لفترة زمنية , كما قد تلزمه بمراجعة مركز الشرطة القريب يومياً كاطلاق سراح مشروط , وقد اضطرت اجهزة الاستخبارات الغربية الى التركيز على مراقبة السلوك عند المشتبه بهم والمطلق سراحهم , لاسيما بعد ازدياد عمليات الذئاب المنفردة.

خلاصة

السجون هي ساحة صراع مابين الاصلاح المجتمعي وبين الانغماس اكثر في الجريمة . مابين ان تكون ساحة لتجنيد ارهابيين ومجرمين لصالح العمل الاستخباري , وبين ان تكون مفرخة للارهابيين والمتطرفين .

ان ساحة الصراع تلك يجب ان تكون الغلبة فيها للدوائر الاستخبارية بحكم سيطرتها على السجون التي تضم مجرمي العصابات والارهابيين , ومن المعيب ان ينتصر الطرف السجين المضيق عليه الذي لاحول له ولاقوة في المعركة تلك , لانه حينها سيكون اولى بالنصر خارج السجن حيث الحرية .

ان ساحة السجون فرصة مثالية للاجهزة الاستخبارية لمعرفة الكثير عن الارهابيين وهم في اضعف حالاتهم , فسجون العصابات والارهابيين هي كنوز مكنونة من المعلومات الاستخبارية القيمة التي لابد من الحصول عليها قبل اطلاق سراح الارهابي لاي سبب كان , واذا ما افلتت تلك المعلومات فمن الصعب الحصول عليها في فضاء الحرية الواسع , والله المستعان.

 رابط مختصر http://wp.me/p8HDP0-9Y0

* حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

اخر المقالات