ألحروب أللامتماثلة في الصحراء لمطاردة داعش. بقلم اللواء الركن ألدكتور عماد علو

ألحروب أللامتماثلة في الصحراء لمطاردة داعش. بقلم اللواء الركن ألدكتور عماد علو

اعداد : اللواء البحري الركن المتقاعد ،الدكتور عماد علو ـ العراق .

مستشار المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

الحروب اللامتماثلة في الصحراء قراءة استشرافية في عمليات مطاردة تنظيم داعش في صحراء البادية الغربية

الحروب اللامتماثلة (Asymmetric Warfare) هي الحرب او القتال ضد تنظيمات ارهابية محترفة تملك إمكانيات ممتازة ولها خلايا خفية(نائمة) تنشط لضرب الاهداف الحيوية كالمرافق الاقتصادية وخطوط المواصلات بهدف  إضعاف الدولة أمام الرأي العام الداخلي و إرغامها على الانسحاب من التدخل في مناطق نفوذها  لإفشالها في النهاية ومن ابرز هذه التنظيمات : داعش و القاعدة .

بعد الهزيمة المنكرة لتنظيم داعش الارهابي على ايدي القوات المسلحة العراقية بكافة مسمياتها كثيرا” ما يطرح تساؤل مهم هو ماذا بعد طرد داعش من المدن والقصبات والحواضر التي احتلها بعد حزيران 2014 ؟ اين ستذهب فلول التنظيم وقياداته المهزومة ؟

اين ستذهب فلول داعش؟

كشفت المعلومات والتقارير الاستخبارية وتحليلات المراقبين العسكريين الى أن عصابات داعش وقياداته المنهزمة ستتجه لتتحصن في صحراء البادية الغربية،  الشاسعة و الوعرة تضاريسا” والمعقدة مناخيا” والتي تعد جزءاً وامتدادا” لهضبة الجزيرة العربية.

وبحسب التقارير الاستخبارية فأن لداعش في صحراء البادية الغربية عدد من المعسكرات والمقرات جرى اعدادها خلال الفترة التي تلت حزيران 2014، ومن أهم تلك المقرات والمعسكرات هو ما موجود في  وادي غدق ووادي الحسينية وصحراء بلدة راوه، و هذه المخيمات او القواعد اكثر القواعد أمنا” ومحصنة لقادة وعناصر عصابات داعش الإرهابية.

وتشمل هذه المعسكرات على منشئات تحت ارضية وانفاق تشبه مدن النمل” ، وهي تمثل اكبر قواعد لتنظيم “داعش”  في الشرق الأوسط .

الاحتماء بصحراء البادية الغربية

وتعتبر صحراء البادية الغربية مانعا” طبيعيا” تحاول عصابات داعش الارهابية الاحتماء به من الرصد والمطاردة ونيران اسلحة الطائرات العراقية وذلك للطبيعة والتضاريس الجغرافية من بعض التلال الصغيرة وكذلك الكهوف ، ووديان عميقة طويلة تمتد من الحدود مع سوريا إلى الحدود مع الأردن التي تمتاز بها صحراء البادية الغربية  مثل وادي حوران .

ومن الجدير بالذكر أن السيول والرياح قد عملت على تنويع تضاريس البادية الغربية، حيث يصل أعلى ارتفاع لها بالقرب من الحدود الأردنية إلى ما يزيد على 800 متراً فوق مستوى سطح البحر وتنخفض في مناطق الحبانية إلى 75 متراً فوق مستوى سطح البحر.

ويقطع نهر الفرات طريقه في البادية الغربية والتي تنحدر صخورها تدريجياً باتجاه منخفضات الثرثار والحبانية والرزازة، وفي بعض المناطق يكون مجرى نهر الفرات وعراً ولذا تظهر الصخور الكلسية والجبسية على ضفاف مجرى نهر الفرات. وتميز صحراء البادية الغربية بقلة سقوط الأمطار والتباين الكبير بين حرارتي الليل والنهار وانخفاض الرطوبةـ  ترتفع الحرارة فيها صيفاً إلى52 درجة مئوية.

وتنخفض شتاءً فتصل إلى 9 درجة مئوية. الرياح فيها شمالية غربية وجنوبية غربية أحياناً تبلغ أقصى سرعة لها 21 م/ثانية، يبلغ معدل سقوط الأمطار شتاءً إلى 115 ملم. هذه الطبيعة الجغرافية الصحراوية قد تؤمن لتنظيم داعش الارهابي الانتشار في المعسكرات والقواعد السرية ، المزودة بالأنفاق والخنادق المخفية والمموهة والمحصنة تحت الارض، التي تشتمل على مقرات للقيادة والسيطرة مزودة بأحدث التقنيات فضلا” عن نقاط تموين وامداد ودعم لوجستي .

ان احتماء تنظيم داعش في صحراء البادية الغربية يستهدف ايضا” اتباع التنظيم الارهابي لتكتيكات قتالية جديدة تتمثل بتفادي مواجهات واسعة مع الجيش العراقي ، والاستعاضة عنها باستخدام تكتيكات حرب العصابات وكمائن صحراوية ، والغارات بمجموعات قتال صغيرة ضد اهداف رخوة أو ضعيفة الحماية .

تتعاون فيها الخلايا النائمة مع مفارز أو مجموعات داعش الهجومية ! بهدف استنزاف موارد الجيش العراقي ، واحداث حالة من عدم الاستقرار والبلبلة في مناطق اعالي الفرات خصوصا” تلك القريبة من الطريق الدولي الذي يربط العراق بكل من سوريا والاردن ! والذي سيعتبر هدفا” حيويا” رئيسا” لعصابات داعش في حالة اعادة فتحه لأغراض التجارة والتنقل بين العراق وكل من سوريا والاردن .

العمليات اللامتماثلة في الصحراء

استنادا” لما سبق فانه سيتعين على القوات المسلحة العراقية التعاطي مع تكتيكات قتالية مختلفة تماما” عن تلك التي اتبعتها في معاركها السابقة ضد عصابات داعش الارهابية ، وستكون بلا شك اختبارا” صعبا” لقدرات الاستخبارات والاستطلاع الميداني للقوات المسلحة العراقية بسبب المساحات الشاسعة والتضاريس الارضية المعقدة .

مما سيتطلب انفتاحات قتالية واسعة باستخدام منسق للمشاة الآلي والدرع ! بالإضافة الى تكتيكات استخدام القوة الجوية وطيران الجيش بأسلوب الصيد الحر فضلا” عن دوره في الاستطلاع وتقديم الاسناد السريع للقوات العسكرية العراقية في حالة اشتباكها مع كمائن او مفارز عصابات داعش الارهابية.

وتكمن خطورة الحرب الصحراوية غالباً في قساوة البيئة الصحراوية وعناصرها المدمرة على القوات، سواءً أكانت في وضعية الهجوم أم في وضعية الدفاع حيث تكون ظروف الصحراء في بعض الأحيان أشد خطورةً من نيران العدو نفسه .

فالملاحة الصحراوية المضللة ليلاً ونهاراً، وحركة القوات المكشوفة على الأرض، وصعوبة مطابقة المعالم والبيانات المثبتة على الخرائط للتضاريس الأرضية الحقيقية، وشح المعلومات الاستخبارية الآنية، وقلة الموارد الطبيعية الأساسية، وتعقيدات الإمداد اللوجستي، ومخاطر تخزين الذخائر والمواد، ووهن الذيل الإداري والفني، وخطورة حقول الألغام.

إضافة إلى عوامل أخرى قد لا تُعد ولا تحصى تصبح جميعها أعداء مجهولين إلى جانب العدو الشرس المقابل الذي لن يخوض سوى قتال الحياة أو الموت في بيئة الصحراء غير المألوفة للقادة والجنود والتي لا نصر لمن لا يتقن خوض صراع البقاء فيها.

تكتيكات القتال في الصحراء

على الرغم من أن الصحراء وظروفها باقية وثابتة على حالها منذ آلاف السنين فإن التحديات والتهديدات والتحديدات التي تواجه العمليات اللامتماثلة في الصحراء متعددة ومتغيرة، ولن تتوقف على حال، وإذا لم يُدرب قادة العمليات اللامتماثلة في الصحراء وجنودها تدريباً صحراوياً جيداً فإن الأسلحة والمعدات القتالية مهما بلغت من التطور والتحديث لن تؤدي أدوار وفنون الحروب الصحراوية لوحدها لا سيما مع تداخلات الإستراتيجية والتكتيك والعمليات اللامتماثلة .

وتعتمد فنون العمليات اللامتماثلة في الصحراء على عناصر القتال بالآليات المدرعة والميكانيكية والمناورة بها والإفلات من العدو بسرعة خاطفة في آخر لحظة قبل تعرضها للتدمير المفاجئ من قبل قوات معادية في موقف متقدم ومتميز.

وعلى الرغم من كثرة وتعدد الدروس المستنبطة من فنون قتال الصحراء فإن تجارب الحروب الصحراوية الحديثة قد أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك إن من يمتلك أفضل الدبابات والطائرات والتكتيكات في العمليات اللامتماثلة في الصحراء سينتصر في معاركها إذا ما تكيف بدقة مع ظروفها وتدرب جيداً في بيئتها.

واستنادا” لتلك المعطيات و بعد مزيد من الدراسات والتحليلات فقد وجد أن مبادئ الحرب في الصحراء تنحصر في المباديء التالية هي:

1-دقة وسرعة عمل الاستطلاع والاستخبارات : بغية  تحديد مواقع العدو بسرعة و دون إضاعة الوقت . وذلك باستخدام صور الأقمار الصناعية لمراقبة تحركات وتنقلات قوات العدو في الصحراء .

بالإضافة إلى وسائل الاستطلاع الأخرى وفي مقدمتها الطائرات المسيرة من دون طيار(Drones ). سواء التكتيكية قصيرة المدى على مستوى الفوج والكتيبة والتي تطير من 1-3 ساعات أم متوسطة المدى على مستوى الفرقة أو مجموعة القتال التي تطير على مستوى 12 ساعة متواصلة أو طويلة المدى التي تطير على ارتفاعات شاهقة لتراقب مسرح العمليات كله على مدى أكثر من 48 ساعة متواصلة.

مع العلم بأن عمليات الكشف والاستطلاع المدرع الخاطف على الأرض من قبل آليات الاستطلاع الخفيفة المتقدمة أمام القوات المدرعة يجب أن تكون مستمرة ليس على مستوى الساعات بل على مستوى الدقائق؛ لتلافي عنصر المفاجأة من قبل قوات العدو وحقول الألغام في أية لحظة هنا أوهناك في ميدان القتال.

2-تثبيت قوات العدو : باستخدام المناورة(Fire maneuvering )بنيران مدفعية الميدان وراجمات الصواريخ والهاون الثقيل، بالإضافة إلى الإسناد العضوي بالطائرات العمودية المقاتلة، بالتزامن مع  مناورة الإحاطة بأجنحة العدو، باستخدام تكتيكات حركة القوات المدرعة والآلية السريعة والخاطفة ..

3-تدمير قوات العدو: باستخدام الضربات الجوية بعيدة المدى لتدمير قدراته التسليحية والقتالية بالعمق ، وتدمير وتعطيل محطات ووسائل اتصالاته ومقرات القيادة والسيطرة وضرب خطوط إمداداته اللوجستية وطرق حركته لحرمانه من القدرة على المناورة .

وعند تحقيق التماس مع العدو في الصحراء بالدبابات وآليات القتال المدرعة وعربات المشاة المدرعة ، فلابد من استخدام نيران الأسلحة المباشرة من اقصى مدى قد يتجاوز من 1.5 إلى 2 ميل.

4-استخدام تعبئة القفزات (Tactics hops):  وهي تعني انتقال القوات السريع من نقطة الى أخرى في خط عرضي أو طولي قد تصل مسافة الوثبة الواحدة إلى حدود 30 كيلومتراً.وهي وثبة طويلة جداً في المعيار العسكري، غير أن طبيعة البادية الغربية  يمكن أن تتيحها للقوات .

وقد تحدد مسافة القفزة الواحدة وجود عارض طبيعي (تلة أو سلسلة جبلية) يفرض على القوات تأمينه قبل الانطلاق مجدداً، أو وجود معسكر او كمين معادي للعدو يقتضي معالجته وتأمين المنطقة المحيطة به قبل الانطلاق الى القفزة الثانية .

معاضل العمليات اللامتماثلة في الصحراء

لا تقف صعوبات إدارة العمليات اللامتماثلة في الصحراء عند حد معين كماً ونوعاً؛ ذلك أنها تشمل العقيدة القتالية والتكتيكات والتقنيات وإجراءات المعركة وغير ذلك إلا أنه جرى تحديد وحصر صعوبات ومشاكل العمليات اللامتماثلة في الصحراء فيما يلي:

  1. معاضل الرؤية والرصد الليلي والنهاري: سواء الرؤية او الرصد البصري الطبيعي  أو بالأجهزة والأنظمة الإلكترو – بصرية، وكذلك بمناظير الأشعة تحت الحمراء .
  2. معاضل  الحركة والتنقل : لأسباب طبوغرافية أو اصطناعية أو ضعف الإمداد اللوجستي وأعمال الصيانة، وعدم توفر الآليات الملائمة للعمل في الصحراء كالآليات المجنزرة بدلاً من المدولبة.
  3. معاضل الملاحة وتحديد المواقع: و ضبط حركة القوات واتجاهاتها على الأرض ليلاً ونهاراً.
  4. معاضل التعامل مع سكان البادية : في مناطقهم ونقلهم أو اخلائهم الى مناطق آمنة مع مواشيهم وامتعتهم كونهم في الغالب من البدو الرحل.
  5. معاضل تتعلق باستخدام طيران الجيش والقوة الجوية : تتمثل بوجود مطارات او شقق نزول قريبة تؤمن عمليات الصيانة والحراسة والحماية ، بالإضافة الى صعوبات النجاة والتعايش وصراع البقاء على الأرض للطيارين بعد القفز بالمظلات، وعمليات البحث والإنقاذ.
  6. معاضل الاسناد الطبي والصحي: للقوات في ظروف الصحراء والوقاية والحماية من الأمراض والتسمم بمياه الآبار والحشرات والزواحف والتقرحات الجلدية وأمراض الحساسية.
  7. معاضل تأمين الاتصالات الإلكترونية: بسبب مدى التغطية اللاسلكية وتداخل وازدواجية الإشارات اللاسلكية، وانكسار وانحراف الموجات الراديوية وفقدان استلام الإشارات اللاسلكية نتيجة الغبار وضعف الاستقبال اللاسلكي وتفاوت قوة الإشارات اللاسلكية والرادارية بين الليل والنهار لكونها أقوى ليلاً وأضعف نهاراً.

من الجدير بالذكر أن معالجة المعاضل اعلاه تعتمد على عوامل كثيرة بناء على مدى تأثير تلك الصعوبات على مجريات القتال في العمليات اللامتماثلة في الصحراء ، الا أن التدريب والتكيف في الصحراء، و تواجد القوات فيها لفترات طويلة وكافية قد يكون وسيلة ليجاد معالجات عملية لتلك المعاضل .

الخاتمة

خلاصة القول أن الحرب اللامتماثلة (Asymmetric Warfare) في الصحراء ضد فلول داعش الارهابي تعتبر في اساسياتها نموذج جديد من حروب وقتالات الصحراء (Desert Wars) ، ولكن المهم  مواكبة مستجداتها كافة والمؤثرة في نتائجها من وقت لآخر لا سيما في المجالات البشرية والتسليحية واللوجستية والتدريبية.

وعلى الرغم من أن البادية الغربية وظروفها باقية وثابتة على حالها منذ آلاف السنين فإن التحديات والتهديدات والتحديدات التي تواجه العمليات اللامتماثلة  في الصحراء ضد فلول داعش الارهابي متعددة ومتغيرة.

ولن تتوقف على حال، الأمر الذي يتطلب من المخطط والقائد العسكري ان يولي اهتماما” لتدريب الضباط والمراتب على القتال في ظروف الصحراء حيث أن الاعتماد على  نوعية و تطور الأسلحة والمعدات القتالية قد لا يكون كافيا” لتحقيق النتائج المطلوبة ضد عناصر قتالية متخفية وجوالة تستخدم تكتيكات قتالية غير اعتيادية.

*حقوق النشر محفوظة الى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

اللواء البحري الركن المتقاعد ،الدكتور عماد علو

اخر المقالات