البُعد التركي الجديد في مدينة ادلب السورية. بقلم صفوان داؤد

البُعد التركي الجديد في مدينة ادلب السورية. بقلم  صفوان داؤد

اعداد : الباحث صفوان داؤد، مختص بالشأن السوري ـ سوريا

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا وهولندا

باستثناء التوتر العسكر الشديد في الغوطة الشرقية والذي ينبئ بانعكاسات سياسية هامة للغاية خلال الشهرين القادمين تراجعت حدّة المعارك في سوريا بشكل عام، وبدا أن النظام ممسك بالوضع العسكري والامني اكثر من اي وقت مضى, لكن هذا لايلغي ان المخاطر التقسيمية التي تواجه الدولة السورية بحدودها الرسمية الحالية تبقى عالية, ويمكن ان تتكرس بشكل غير قابل للعودة على المدى المتوسط.

فمناطق التصعيد الأربعة التي أَقِرّت برعاية الدول الاكثر تأثيرا على الميدان السوري بدأت بتكريس سيطرة الكرد بدعم أميركي على كامل الشمال الغربي من البلاد بمساحة تعادل تقريبا ثلث مساحة سوريا الحالية، فيما يسيطر الجيش التركي على حزام واسع من الشمال السوري .

فاصلاً منطقة عفرين ذات الغالبية الكردية عن الشمال الغربي من سوريا اضافة الى مساحات واسعة من محافظة ادلب ، فيما تحاول إسرائيل بهجماتها المتكررة على بلدة حضر ذات الموقع الاستراتيجي تكريس سيطرة على الجنوب الغربي من سوريا في سعيها تشكيل حزام امني يلامس منطقة التنف على الحدود الجنوبية لسوريا المحاذية للعراق التي بدورها خاضعة لقوات محلية بقيادة الولايات المتحدة.

إن السياق الزمني الطويل يهدد فعلاً تحول مناطق خفض التصعيد تدريجياً الى كيانات جغرافية قابلة للانقسام عن سوريا الأم, وللمفارقة إن أطراف الصراع المحلية في سوريا, ونقصد هنا الهيئة العليا للمفاوضات من جهة والنظام الحاكم في دمشق من جهة أخرى على دراية بهذا الخطر, لكن انغلاقهم حتى الآن عن التسوية السياسية, وعدم قدرتهم ابتكار حلول توفيقية سيجعل التقسيم في وقت ما حقيقة.

تشكل محافظة ادلب بالنسبة لأنقرة جاذبية جغرافية عالية من حيث البعد الاستراتيجي للأطماعها, عبّرَ عنها الرئيس التركي مراراً في خطبه قائلاً أن “مايحدث في المنطقة لايتطور عشوائيا” (1), مدعياً أن هناك مؤامرة تحاك ضد بلاده ومستذكرا بالرفض اتفاق لوزان التاريخي وحدود تركيا الحالية, في اشارات ضمنية استعمارية حول سوريا والعراق:

وللإشارة فإنه في عام 2023 ستكون أنقرة في حلِّ من جميع التزاماتها الواردة في اتفاقية لوزان بما فيها المتعلقة بحقوق الأقليات.
وفي بيئة ذات قابلية عالية لقبول الطرف الغازي بدأت مؤسسات تركية مختلفة فعلياً بإجراءات دمج للمجتمع المحلي في محافظة ادلب بالدولة التركية.
ومنحت تركيا الجنسية لرجال الأعمال والحرفيين والصناعيين وحاملي الشهادات العليا, وهي بصدد منح جنسيتها للأطفال السوريين الذين سيولدون على الاراضي التركية.

ولانستبعد ان تنسحب هذه الاجراءات الى منطقة خفض التصعيد في ادلب, التي انتشرت فيها بالفعل قوات من الجيش التركي.

ومن البديهي القول هنا مدى التعبئة السياسية التي يمكن ان تفرضها انقرة في اي تسوية مقبلة في سوريا. مع ذلك تبقى هناك توازنات اقليمية ودولية يجب ان تأخذها حكومة العدالة والتنمية بعين الاعتبار حتى تنجح في تكريس احتلالها للأراضي السورية.

فالدولتين الاكثر تأثيرا في الازمة السورية, ونقصد هنا روسيا وايران كلاهما غير متفقتين تماماً في موقفهما من مخططات تركيا في ادلب, ففي حين تعتبر موسكو انها (وسيط) بين انقرة ودمشق تقول طهران ان الجيش السوري سيقوم قريباً بالسيطرة على إدلب (2).

لكن يبقى الذي صدر عن اجتماع سوتشي في 22 الشهر نوفمبر 2017 بين الرؤساء الثلاث بوتين واردوغان وروحاني هو الاكثر دلالة في مسار الدور التركي في ادلب, اذ يبدو ان الرئيس التركي اقتنع اخيراً بما سعت له روسيا منذ تحرير مدينة حلب أن تحتل أنقرة دور امني واقتصادي هام في الشرق الاوسط مقابل التخلي عن دور سياسي تدخلي لها في كل من سوريا والعراق, والذي طالما حلمت به تركيا منذ بدء “الربيع العربي” عام 2011.

بمعنى امني؛ قبول تركيا مقايضة تأطير فائض القوة الكردي في سوريا بضمانات روسية-ايرانية, مقابل تأطير القوة العسكرية للمجموعات الاسلامية المسلحة وضبطها ضمن الشمال السوري وبشكل خاص في ادلب.

هنا من الناحية العملية تقوم تركيا بمسارين متوازيين :

الاول ميداني

بإضافة نشر نقاط عسكرية (3) ضمن اراضي محافظة ادلب, تحديداً في مناطق التماس بين مناطق سيطرة الكرد أو الجيش السوري النظامي من جهة, وبين المجموعات الاسلامية المسلحة من جهة أخرى اهمها: «جبهة تحرير الشام» و«حركة نور الدين الزنكي» و«كتائب ابن تيمية», في اشارة غير مباشرة الى العلاقة اللوجستية بين المخابرات التركية وهذه المجموعات, حيث أن الاخيرة قد اعلنت صراحة قبولها انتشار الجيش التركي في هذه المناطق.

أكثر من ذلك عملت تركيا على منع المجموعات الاسلاموية المسلحة من محاربة القوات الحكومية السورية (4). ومنذ وقت ليس ببعيد تسعى انقرة الى توحيد هذه المجموعات تحت قيادة عسكرية موحدة (5).

المسار الثاني 

سياسي بدأ يتبلور بشكل واضح عبر مؤتمرات استنة السبعة, وتوج عملياً ببيان للرئيس الاميركي ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين بإصدار بيان مشترك حول سوريا في الحادي عشر من شهر نوفمبر 2017 (6), ثم قمة سوتشي في 22 من الشهر نفسه جمعت الرئيس بوتين مع رئيس التظام السوري تلاها بيوم واحد اجتماعه مع رئيسي ايران وتركيا, حيث ان الاخيرة وفي ظل الدعم العسكري للكُرد من حلفاء انقرة في الحلف الأطلسي, بدا أن ثمة مصلحة كبرى لها مع روسيا وايران في إعادة ضبط الازمة السورية بحل سياسي يضمن لتركيا هواجسها (الامنية).

لكن توافق الدول الثلاث الضامنة هذه ليس بهذه السهولة, إن مرحلة ما بعد سقوط «الدولة الاسلامية» يحتاج لإدارة الصراع في الشمال السوري وحتى ادلب بالتوافق مع دول أخرى مؤثرة ونقصد هنا الولايات المتحدة, خاصة مع إمكانية إشعال جبهة طويلة من قبل «قوات سورية الديمقراطية»، واحتمالات التصادم معها الذي يمكن أن “يعقد الوضع ويدفع الأزمة السورية إلى مساحة إضافية من التصعيد” (7).

ما تقوم به تركيا في إدلب، هو استعمار بمعناه الحرفي؛ سيطرة على الارض بما يشبه الاحتلال, وهيمنة تدريجية ثقافية واجتماعية على المجتمع المحلي. واللافت هو السكوت العملي للنظام السوري عن اي رد فعلي على مايحصل في الميدان باستثناء بعض التصريحات الاعلامية المحدودة لبعض المسؤولين السوريين (8).

 

(1) “أردوغان: التطورات في المنطقة ليست عشوائية”, تلفزيون روسيا اليوم, 7 نوفمبر, 2017
(2) “مستشار خامنئي: الجيش السوري سيبدأ استعادة شرق سوريا وإدلب قريبا” تلفزيون DW الالماني, 8 نوفمبر, 2017
(3) أنظر: Reuters Staff, Turkish forces set up positions in Syria’s Idlib. 12 October 2017. https://www.reuters.com/article/us-mideast-crisis-syria-turkey/turkish-forces-set-up-positions-in-syrias-idlib-idUSKBN1CI0KW
(4): “الأزمة السورية. تحولات في المواقف الدولية” صحيفة الاتحاد,11 نوفمبر 2017
(5): أنظر في هذا الموضوع مقال سابق للكاتب : حرب الاغتيالات في محافظة ادلب السورية …سيناريوهات «هيئة تحرير الشام», المركز الاوربي لدراسات مكافحة الارهاب, 4 اكتوبر 2017
(6): أقرّ البيان ايضاً بمخاطر “التوسع الإيراني”، وترحّيب بمذكرة مبادئ سابقة بين الولايات المتحدة وروسيا والأردن تهدف الى “تقليل عدد القوات الأجنبية والمقاتلين الأجانب حتى الجلاء النهائي لها من جنوب سوريا”.
(7): “قمة سوتشي والصراع الصامت”, صحيفة الوطن السورية, 19 نوفمبر 2017. http://alwatan.sy/archives/127937
(8): على سبيل المثال بثينة شعبان: الوجود التركي والأميركي على أراضينا غير شرعي, صحيفة الحياة الندنية, الخميس، ٩ نوفمبر ٢٠١٧. http://www.alhayat.com/Articles/25269705

حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

رابط مختصر  https://wp.me/p8HDP0-aS2

safwandawod@yahoo.com

الباحث صفوان داؤد

pers2 copy copy copy

اخر المقالات