اشكال عمل خلايا التنظيمات السرية من الداخل. بقلم بشير الوندي

اشكال عمل خلايا التنظيمات السرية من الداخل. بقلم بشير الوندي

كتب، بشير الوندي، باحث في علوم الاستخبارات

المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

مدخل

في ظل تنامي التنظيمات السرية، ظهر اهتماما اكثر بانواع واشكال للتنظيمات السرية  من حيث الارتباط  والياته , سواء في المنظمات السرية والاحزاب السرية وشبكات الاستخبارات السرية وحتى التنظيمات الارهابية المتشددة , وهو ما يعرف في المؤسسات الحكومية والوصف العلمي بالهياكل التنظيمية او شبكات الارتباط , فمايعرف بالهيكل التنظيمي في الدوائر ومؤسسات الدولة والشركات والجيوش والاجهزة الامنية فانه يعرف داخل المؤسسة الخفية بالتنظيم او الارتباط.

فهناك منظمات وحركات انتهجت اسلوب العمل السري والخفاء والعمل تحت الارض , ومن اشهر التنظيمات السرية : اخوان الصفا , الحشاشون,  الماسونية , فرسان الهيكل , المافيات , كوكلوكس كلان , القاعدة , الاحزاب السرية , اجهزة الاستخبارات العالمية .. وغيرها.

اشكال الارتباط

انتهجت الكثير من المنظمات السرية التنظيم والارتباط السري في عملها , ولا يوجد نوع اوشكل تنظيمي سري محدد , فالعمل في عالم الخفاء له تجاربه واساليبه , ومنه تنتج انواع مختلفة من اساليب الارتباط السري.

وتتنوع  اشكال واساليب الارتباط , فمنها الخيطي والهرمي و العشوائي و النحلي و الترابطي  و المركزي و النجمي و الدوائر المغلقة و الانشطاري و السداسي و الثلاثي والعنقودي…وغيرها كثير, وفي السنوات الاخيرة اتخذت التنظيمات الارهابية اسلوب الارهاب بلا قيادة او مايسمى بالذئاب المنفردة , وهو الاحدث بين اساليب الارتباط السرية.

فالتنظيم الخيطي هو ارتباط سري صعب الكشف و يتم من خلال ارتباط الشخص او الخلية بشخص واحد فقط , فلا يعرف الشخص او الخلية غير شخص واحد صعودا وينتهي الارتباط بفك الارتباط  من خلال هذا الشخص , وتختلف انواع التواصل في التنظيم الخيطي , فهنالك الخيطي النجمي وهو ارتباط خماسي لخمسة اشخاص او خمسة خلايا بشخص دون اطلاع الاخرين  .

اما الترابطي فهو تنظيم خيطي بشكل مستقيم كأنه حالة الاصطفاف او الوقوف للصلاة , ومن شخص لاخر على يمينه وشماله , لي ان  كل شخص يعرف اثنين فقط وهكذا , ويقطع الارتباط بمجرد اعتقال اي واحد من التنظيم او اختفائه.

اما النحلي , فهو الخلية المترابطة وتسمى ايضا الخلية المركزية  , فهنالك ستة  اشخاص يعرف كل منهم الاخر بشكل خلية النحل , وغالبا ما تنتظم خلايا العمليات الارهابيه بهذا الشكل.

اما الارتباط المركزي , فهو ارتباط مجموعة اشخاص بمركز واحد اي بلا خلايا جغرافية , اي ان  الجميع يصبون في مركز واحد بلا توسع على الارض , فيكون كل شخص ملزم بتقديم معلوماته مثلا الى عنوان واحد , وهذا الشكل  يمكن ان يقاد بضابط واحد ولكن يضعف امنياً , ويسمى المركزي لانه ذو راس واحد ومحل واحد.

اما التشكيل العنقودي فهو مشابه لعنقود العنب اي ترابط متشابك ينتهي باثنين او ثلاثة افراد ويستخدم في التنظيمات السرية العصابية ومهربي المخدرات غالبا .

اما  الدوائر المغلقة فهو تنظيم سري يستخدم لخرق المؤسسات الامنية والعسكرية ,  فيوضع في كل وحدة عسكرية او تشكيل امني وعسكري مصدر منفصل لا يعمل ضمن شبكة منظمة ويعمل  لوحده منفصلا.

واما الانشطاري , فهو التنظيم الذي يستخدم في تنظيمات الاحزاب والتنظيمات الطلابية والشبابية  وينتهج التوسع والانتشار والانشطار وتكبر الخلية وتنقسم الى اثنين ثم اربعة وهكذا.

اما الهرمي , فيستخدم في علنية الارهاب وعند مسك الارض كحالة داعش في الموصل ( سابقا ) وعندما يتمكن التنظيم من الظهور للعلن , وهو اشبه بمؤسسات الدولة واسلوبها الترابطي مع ميول للحاكم الواحد الذي يقود الجميع من الاعلى.

وقد تتغير اشكال الارتباط داخل المنظمة حسب وضعها الامني العام و موقفها فتصبح شبه علنية تارة وهرمية تارة اخرى كحالة داعش في العراق وسوريا بعد مسك الارض وحالة طالبان التي حكمت افغانستان فاخذت شكل الدوله ثم عادة الى السر والارتباط الخفي , ولكن برغم علنية طالبان , فقد احتفظت بقائدها في سرية تامة ولم يخرج الى العلن بل ولم يتم استمكانه واستهدافه لشدة حذره ومحدودية ارتباطه , على عكس تنظيم القاعدة الذي برغم سريته ولكن زعيمه كان يجري مقابلات ويبث خطابات متلفزة بل يظهر في لقطات بمناطق جبلية.

وفي كل الاحوال فان الفرد هو اساس عناصر التنظيم , والخلية هي الحد الادنى من التنظيم , واخذت هذا الاسم لانها صغيرة كخلية جسم الانسان ,  وتعتبر اصغر مجموعة تنظيمية , وقد تكون زوجية اوفردية العدد

الارتباط الاستخباري

تختلف المؤسسة الاستخبارية من واحده لاخرى في مستوى الارتباط والسرية رسمياً وادارياً وميدانياً , ففي بعض اجهزة الاستخبارات , كجهاز الاستخبارات البريطاني , تكون حتى رئاسة الجهاز سرية ولا تظهر في الاعلام ولا البرلمان ولا الصحافة ويبقى رئيس الجهاز سرا على الجميع , اما في الولايات المتحده فرئيس الاستخبارات الخارجيه cia يتم اختياره بشكل علني ومعروف ويظهر في الاعلام ومقر الجهاز ايضا معلوم لكن كل نشاطاته وارتباطاته الاخرى سرية.

وتعتبر المؤسسات الاستخبارية هي الاكثر سرية عالميا بعد التنظيمات الارهابيه السرية , وتعتمد الاستخبارات على اربعة انواع من الخلايا بشكل عام هي :

1- الخلايا A: وهي خلايا استخبارية ومصادر بشرية واستطلاع ,وتسمى ايضا بالخلايا الصامتة.

2- الخلايا B: وهي خلايا دعم لوجستي وفني وتدريب وتكنلوجيا واتصالات.

3- الخلايا C: وهي خلايا دعم امني وتعقيب ومراقبة وتفحص واستطلاع ميداني ومطاردة واعتقال وخطف.

4- الخلايا D :وهي تختص بعمليات الاغتيال.

وتشكل هذه المكونات الاربعة اساس محطات الاستخبارات وخاصة الخارجية منها , وتنتشر الخلايا حسب الاهداف والواجبات وغالبا ماتكون خلايا صامتة ( اي استخبارية) وتدعمها خلية دعم لوجستي وخلية دعم امني , وتحتفظ المحطة بخلية قتل واحدة او اثنين حسب الضرورة.

ويعتبر تنظيم شبكات سرية هو العمل الابرز لاجهزه الاستخبارات , وتنتهج الاستخبارات ,غالبا , اسلوب التنظيم الخيطي المنفرد او مايعرف بالخيطي النجمي , فيكون هنالك ضابط ارتباط يرتبط به افراد بشكل منفرد بشكل مستقل , وقد يكون العدد من 3 الى 20 او اكثر كل واحد لديه ارتباط مع ضابط ارتباط لوحده وبشكل خفي وخاص وسري ,  ويستطيع ضابط الارتباط من ادارة الخلية الاستخبارية وقيادتها لكن الخلية تكون غير متواصلة مع بعضها حتماً , ويعمل كل مصدر بشكل منفرد مع ضابط الارتباط , وعند الضروره يتطور المصدر ليتزعم خلية من 2 او 3 افراد كأن تكون زوجته او ابنه او صديقه , لاستكمال الجهد الاستخباري ضمن خلية صامته (اي خلية معلومات سرية), , وهذا الاسلوب والكلام يصدق في العمل السري وخدمة المصادر السرية .

كما ان  من اصول العمل الاستخباري هو استبدال ضابط الارتباط ضمن وقت محدد دوماً حفظا لسرية العمل , فيتم استبدال ضابط الارتباط  ونقله من محطةفي بلد الى بلد اخر مع حفظ الجغرافيا وتشابه اللغات احيانا ,  اي ان ضابط الارتباط الذي يتقن اللغه العربية يتنقل في البلدان العربية واخر يتنقل ضمن بلدان جنوب شرق اسيا .

ومن اهداف هذا التغيير المستمر هو حفظ سرية ضابط الارتباط والحيلولة دون كشفه وحفظ المصادر ولمنع اية علاقة شخصية قد تبنى بين المصادر وضابط الارتباط مما يؤثر على العمل , وفي حالات خاصة جدا يتم الاحتفاظ بضابط الارتباط لفتره طويلة بسبب وجود مصدر خاص قد يرفض التعامل مع غير ضابط الارتباط الذي يرتبط به(او وضع خاص )  فتضطر المؤسسة الاستخبارية للتجاوب مع شروطه.

وعلى العموم فان على الاجهزة الاستخبارية  ان تجرب كل الاساليب التنظيمية وتكتشف نقاط ضعف وقوة كل اسلوب , واعتقد ان الاسلوب المنفرد او الارتباط المتمركز بضابط الارتباط  لكل مصدر او خلية استخبارية هو الاسلوب الامثل الى الان في العمل الاستخباري.

ارتباط المخبرين

بالنسبة للمخبرين داخل البلد , فيكون العمل اقل تعقيدا في التواصل , وتتم الافادة من انواع مختلفة من الارتباط سواء بالشبكة العشوائيه او الهرمية او الترابطية , فلا توجد اية صعوبات خطيرة في اسلوب تنظيم شبكة المخبرين ماعدا ضروره ابعاد المخبر عن الاحتكاك الزائد بالمؤسسة الاستخبارية وعدم الدخول الى حدودها جغرافيا او ادارياً لتجنب التجنيد المضاد والمزدوج الذي يكثر في ساحة المخبرين بما فيه  التجنيد المتكرر لعده اجهزه استخبارية , فقد يكون المخبر يعمل مع استخبارات الشرطة و مع الاستخبارات الجنائية في ذات الوقت ,  وهذا التكرار يجب ان يمنع ايضاً , وعند الشك في ثنائية الارتباط , فعلى الاستخبارات الادنى ان تخبر الاعلى منها للتأكد , فاستخبارات الشرطة مثلا هي الاقل من الاستخبارات الجنائية فعليها ان تكشف صحة الارتباط معها وتخبر الاستخبارات الجنائية بذلك لتنظيم ومنع التكرار.

ومن البديهي انه كلما استقر الامن تتراجع حالة التنظيم للمخبرين وتتحول الى مخبرين نوعيين فقط , ويتم الاعتماد على ذراع التواصل مع المواطن والحس الامني المجتمعي واهتمام المواطن بأمنه واحساسه بالمسؤولية ,  لان الامن عملية تكاملية فلابد من شرطة وقانون وضوابط ورجل امن ورجل استخبارات وعدالة ومواطنة و ثقافة ووعي مجتمعي و تكنلوجيا واهتمام من الحكومة واستجابه من المواطن وبمجموعها يستحصل الامن والامان.

الخلاصة

الارتباط التنظيمي السري سواء كان الرسمي منه في الدوائر الاستخبارية , او التنظيمي الخاص بالتنظيمات السرية , في كلتا الحالتين له قواعد واصول لحماية التنظيم او المؤسسة ولحماية العاملين ولحماية الاسرار والعمل .

ومن هنا تسعى الدوائر الاستخبارية لاستخدام افضل اشكال الارتباط سريةُ لضمان النجاح , كما تسعى الى كشف الارتباطات التنظيمية للتنظيمات الارهابية والمعادية لاختراقها وكشفها , فابتكار الارتباطات السرية واحكامها وضبطها هي من اوليات العمل السري ومن مستلزماته , فبدون ضبط الارتباط يحصل  الاختراق الذي يشكل الهاجس الاخطر في كافة التشكيلات السرية , والله الموفق.

* حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

اخر المقالات