الأساليب التي ينتهجها “داعش” في الاستقطاب والتجنيد

الأساليب التي ينتهجها “داعش” في الاستقطاب والتجنيد

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا وهولندا

قراءة في كتاب “أسلحة الإغواء الشامل” لدى “داعش”

مرصد الأزهر ـ 19 نوفمبر 2017 ـ تتابع وحدة رصد اللغة الإسبانية قراءة الإصدارات الجديدة حول أهم القضايا التي يُعنى مرصد الأزهر بمتابعتها، وفي هذا التقرير تركّز الوحدة على جانبٍ مُهمٍّ من جوانب خداع الشباب لتجنيدهم ودمجهم داخل صفوف التنظيمات المتطرفة، وما تقوم به هذه التنظيمات من أساليبَ لاستقطابهم.

كانت وحدة اللغة الإسبانية قد ناقشت في قراءة كتاب “عرائس الجهاد” طُرُق التجنيد؛ والتي منها: “الخداع والتضليل”، وفي هذا التقرير يتعرض “المرصد” لكتاب “أسلحة الإغواء الشامل”، الذي يتناول أيضًا مزيدًا من الأساليب التي ينتهجها “داعش” في الاستقطاب والتجنيد، والتي يتناولها الكتاب بشيءٍ من التفصيل، وكذلك بشيءٍ من التركيز على جانب المواد الإعلامية التي تنتجها هذه الجماعات.

ومن منطلق إدراك الجماعات المتطرفة لاهتمامات الشباب المعاصر واستخدامه للتقنيات الحديثة في التواصل ونشاطه في العوالم الافتراضية؛ بدأ تنظيم “داعش” يَنفُذ إلى الشباب من هذه الهُوّة الكبيرة؛ كالصائد الذي يترقب فريسته وهو يعلم أين ستَرِدُ الماء والكلأ، ومتى.

فمما لا شك فيه أن تنظيم “داعش” يركّز بقوة أيضًا على التواصل الاجتماعي عن طريق (فيسبوك وتويتر وانستجرام)، وعلى سبيل المثال.

فهو يمتلك حاليًّا على “تويتر” ما يزيد على 50 ألف حساب، يَبُثّ منها يوميًّا 100 ألف رسالة لكل أنحاء العالم، في محاولة منه لتفعيل عمليات الاستقطاب والسيطرة على هذا الفراغ الإلكتروني.

كما يستغل هذه المواقع للترويج ونشر مقاطع الفيديو والتسجيلات الصوتية وغيرها من المواد الإعلامية، التي تُعَدّ أداةَ جذبٍ للعناصر الجديدة من الشباب.

وفي هذا السياق، نشَر الباحث والكاتب “خافيير ليساكا” كتابه؛ الذي جاء بعنوان: (أسلحة الإغواء الشامل: صناعة المواد السمعية والبصرية لدى داعش لاستقطاب جيل الألفية الثانية) والذي صدر في دار نشر “أتالايا” في يونيو من العام الجاري 2017، وتبلغ عدد صفحاته مائتين وخمسة وتسعين من القطع الصغير.

ويَذكر الكاتب أنه في صيف عام 2014، بُثّ فيديو عبْرَ شبكة الإنترنت بلغةٍ إنجليزية بريطانية سليمة، عرَض تنظيم “داعش” خلاله عملية ذبْح الصحفي الأمريكي “جيمس فولي”، الذي كان قد اختُطف قبل ذلك بعامين.

وتُعَدّ تلك الحادثة بطاقةَ عرْضٍ لمجموعة إرهابية جديدة عرفها العالم، ليس فقط من خلال القنابل والرصاص، ولكن كذلك من خلال أشرطة الفيديو المصورة باحترافية، والمجلات المصممة بشكل جيد، وكذا من خلال تنفيذ حملات موجَّهة على “تويتر”.

ومنذ ذلك الحين، قام التنظيم بإنتاج ونشر أكثرَ من ألف وثلاثمائة شريط فيديو؛ لتكوين صورة  خاصّة به تُبهِر جماهيرَه وتحشدها إليه.

ويسعى “داعش” إلى تحويل الإرهاب إلى مُنتَجٍ إعلامي يصل إلى العامّة، ويمكنه أن يدفع الشباب إلى استشعار الإحباط والكراهية والفراغ الفكري والسياسي، بالإضافة إلى حالة الملل المُمنهَج؛ وذلك من خلال ألعاب الفيديو والمسلسلات والأفلام العصرية.

وكما حدث في بروكسل وباريس، وكذا في هجماته اللاحقة، فلا شك أن تنظيم “داعش” قد غيّر الطريقة التي يفكر بها الإرهاب ويتصرف انطلاقًا منها.

إن أسلحة الإغواء الشامل الجديدة التي تستخدمها جماعات العنف المتطرفة؛ تدفع الدول والمؤسساتِ الحديثةَ إلى إعادة تخطيط سياستها، من أجل الحفاظ على الأمن الإعلامي العامّ والمؤسسي.

ويؤكّد “مرصد الأزهر”؛ أن المعركة التي تُشنّ على عقول الأجيال الجديدة من المدنيين قد بدأت للتو؛ ولكن لا يمكن التنبؤ بنتائجها.

وقد أشار الكاتب إلى أن فهم ظهور وتطور الجماعات المتطرفة مرتبط بفهم التطور الذي مرت به عملية تشكيل الرأي خلال العَقد الماضي، وكذا الطريقة التي غيّرت بها تقنياتُ التسويق الرقمي وسائلَ الإعلام التقليدية.

وهي بلا شك عوامل أساسية لتشكيل الرأي؛ وعلى ذلك فإن الكاتب يَصِفُ الإرهابَ المعاصر بأنه ظاهرة إعلامية، وبأنه مخطط متطرف وإجرامي؛ لتنفيذ مخططات، وجذب الرأي العام لاتجاه سياسي محدد.

وشدّد “ليساكا” على أن الإرهاب الحديث والتقنيات الرقمية صِنْوان لا يفترقان، وقد حفّزت هذه العَلاقة الوطيدة بينهما الجماعاتِ الإرهابية على الحرص على تحديث استراتيجياتها وخططها؛ وَفْقًا للتقدم التقني الذي يتحقق في العالم باستمرار.

جديرٌ بالذكر؛ أن تنظيم “داعش” المتطرف يستغل جنودَه في الغرب الذين لديهم دراية بهذه التقنيات؛ لإنتاج التسجيلات المسموعة والمرئية، التي استطاع أن يحقق من ورائها عدة أهداف؛ على رأسها: رسم صورة أسطورية للتنظيم، واستقطاب الشباب بعد خداعهم بفكرة أن هذه الأرض هي المدينة الفاضلة.

وأن ثَمّة خلافة إسلامية كبرى ستحكم العالم، وتحقق ازدهاره، وتُنصِف المظلومين، وتأخذ على أيدي المجرمين.

إن مرصد الأزهر يرى أن حرب الإرهاب المعاصرة هي حرب ذات طابع خاص، تخضع لمتغيرات حديثة، وهو ما ينبغي أن تدركه الدول والمؤسسات، وتبني عليه دفاعاتِها ضد التطرف.

ومن ذلك يتضح أن الحرب الإلكترونية أصبحت واقعًا مَعيشًا، وليست توقُّعًا مستقبليًّا وحسب. ويؤكّد “المرصد” أن اتجاه الشباب إلى الانضمام لهذه الجماعات هو نتيجة لخَواءٍ رُوحي وفقْدٍ للانتماء، فضلًا عن الفراغ القاتل الذي يجعلهم يقعون فريسة سهلة للأفكار المسمومة، والأكاذيب والتضليل والاستقطاب ذي الأغراض الخبيثة.

ويوصي “المرصد” الشبابَ بألّا يستسلموا لهذا الفضاء الافتراضي، وأن يحاولوا الاقتراب من الواقع بالقدر الذي يُمكِّنهم من إدراك الحقائق والتمييز بين الحقيقة والسراب وبين الاعتدال والتطرف؛ حتى لا تتحوّل التكنولوجيا بدورها إلى أسلحةٍ للإغواء الشامل.

اخر المقالات