ورقة بحث : ادارة الملف الأمني في مدينة الموصل ما بعد التحرير

ورقة بحث : ادارة الملف الأمني في مدينة الموصل ما بعد التحرير

اعداد اللواء البحري الركن المتقاعد ،الدكتور عماد علو

مستشار المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

المقدمة

تتّجه الأنظار كلها إلى محافظة نينوى وبالذات مدينة الموصل ، التي نجحت القوات المسلحة العراقية بالتعاون مع البيشمركة وقوات الحشد الشعبي والشرطة الاتحادية والتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الامريكية ، من تحريرها من براثن  تنظيم ( داعش) الارهابي .

وسط مؤشرات عديدة حول تبلور العديد من المخاطر و التعقيدات المحتملة التي يمكن أن تشكّل تحدياً كبيرا”  في مرحلة ما بعد تنظيم «داعش»، وخاصة في مدينة الموصل ، والتي هي بوتقة عرقية متفجرة تضمّ أكثر من مليون ونصف نسمة من مختلف الأعراق والمذاهب والاديان الأمر الذي سيشكّل اختباراً بنفس القدر من الأهمية للقيادات العراقية والكردية، وكذلك لحلفائهم الدوليين في تحقيق الأمن و الاستقرار ، بما يكفل المحافظة على وتعزيز النصر الذي حققته القوات المسلحة العراقية على عصابات داعش الارهابية .

وتكمن أهمية البحث في حقيقة أن النصر الذي تحقق في الموصل كان بلا شك تحدياً فريداً من نوعه بالنسبة للحكومة العراقية وحكومة اقليم كردستان وشركائهم الدوليين ، الأمر الذي يستوجب الحفاظ عليه وتعزيزه من خلال العناية بالملف الامني في المحافظة ومدينة الموصل بالذات ، لكشف ومطاردة والقضاء على الخلايا النائمة لداعش الارهابي ، و بما يكفل منع عودة التنظيم الارهابي الى الموصل مجددا” .

ويستهدف البحث مناقشة أهم الوسائل والسبل لإدارة الملف الامني في محافظة نينوى ومدينة الموصل بالذات ،بما يضمن فرض الامن والاستقرار وفرض القانون ،فضلا” عن كشف ومطاردة والقضاء على الخلايا النائمة لداعش الارهابي ، و بما يكفل منع عودة التنظيم الارهابي الى الموصل مجددا” .  .

 

ومن هنا فإن السؤالين الأساسيين اللذين يحاول هذه البحث طرحهما والإجابة عنهما هما:

1-ما ذا سيفعل تنظيم داعش الارهابي بعد هزيمته في الموصل ؟  

2-ماهي الاجراءات الامنية المطلوبة لمنع عودة تنظيم داعش الارهابي الى الموصل؟

من هذين السؤالين الأساسيين، يحاول البحث ، الى رصد ردود فعل تنظيم داعش الارهابي على هزيمته النكراء في مدينة الموصل التي سيطر عليها لما يقارب ثلاث سنوات ،  كما ويسعى البحث الى الوقوف على انجع الاساليب لمواجهة الخلايا النائمة وفلول تنظيم داعش الارهابي في محافظة نينوى . ويتم ذلك من خلال مطلبين، اختص الاول السيناريوهات المحتملة لعودة تنظيم داعش الى الموصل. اما المطلب الثاني فقد اختص بالسياق الأمني المقترح لمدينة الموصل بعد التحرير.

المطلب الاول :السيناريوهات المحتملة لعودة تنظيم داعش الى الموصل

تنظيم داعش الارهابي ليس مجرد ظاهرة أخرى من التطرف الإسلامي العنيف. فتبني تنظيم داعش لخطاب الدفاع عن (السنة) في العراق ، وتعبّده لسياسة العنف العدمية، واستمرار سيطرته على مساحات شاسعة من الأراضي ، في العراق وسوريا ، بالإضافة إلى إمكانياته العسكرية التقليدية وغير التقليدية على حد سواء، جميعها عوامل تجعل من هذا التنظيم فريداً وصعب المحاربة. ولا تمنحه طبيعته الخاصة مرونةً ملحوظة فحسب، بل تعطيه أيضاً اندفاعاً لا مفر منه لإلحاق الأذى بالنسيج الاجتماعي والنظام السياسي القائم في العراق والبنى التحتية فيه ، سواء بشكل مباشر أم عن طريق ومساعدة عدد من الجماعات المسلحة والمتطرفة الأخرى الموجودة في العراق من ضمنها :-

1-الجيش الإسلامي في العراق . تنظيم سلفي يتمركز نشاطه في محافظة الانبار .

2-كتائب ثورة العشرين .وهي جماعة ذات مرجعية أسلامية قريبة من هيئة علماء ، ويتمركز نشاطها في محافظة الانبار وديالى ونينوى وصلاح الدين وبابل .

3-المجلس العسكري لعشائر العراق . ويمتلك المجلس 41 فصيل مسلح يتوزع على مدن الرمادي والخالدية والكرمة والفلوجة و مناطق أبو غريب واليوسفية والتاجي والطارمية.

4-جيش المجاهدين . وتنشط هذه الجماعة في مدن تكريت والكرمة والفلوجة وأبو غريب واليوسفية في بغداد .

5-جيش رجال الطريقة النقشبندية .وهي الجماعة الأكثر أثارة للجدل في الساحة العراقية السنية وبالتالي هي خليط من حزب البعث المنحل ( حزب العودة ) ويتزعمه عزة إبراهيم الدوري ، وتنشط هذه الجماعة في نينوى وكركوك وتكريت .

جيش أنصار السنة  جماعة سلفية تتألف من أعضاء سابقين من جماعة أنصار الإسلام الكردية ومقاتلين عراقيين وعرب من السلفيين .

وعند البحث في المستقبل القريب لداعش وحلفائها بعد هزيمتها في الموصل نرى أن القوات التي شاركت في تحرير مدينة الموصل ومحافظة نينوى(جيش عراقي ، البيشمركة الحشد الشعبي ، قوات التحالف الدولي ، ابناء العشائر ، حرس نينوى ، ..ألخ) تتباين في اهدافها ومراميها   وتكاد التناقضات بين تلك القوات ومن يقف ورائها من قوى سياسية والتنافس على تصدر المواجهة ان تفجر صراعا بينها اشد هولا من الصراع مع المقاتلين الارهابيين اللذين كانوا متمترسين في الداخل. هذه الخشية مبررة لان المعركة ضد الارهاب في الموصل وغيرها من المدن العراقية تجري وسط انشطار مذهبي وإثنيّ خطير يغذّيه تسابق خارجي على النفوذ وابتلاع ما بقي من العراق وسوريا. والوحدات المحتشدة هناك لا تحمل فقط السلاح بل ايضا

المشاريع المتناقضة والمتعارضة (تقسم العراق ، تقسيم نينوى ، اقليم سني ، حكم ذاتي ، استفتاء تقرير مصير ، التحاق وضم للإقليم ، تهجير ، تغيير ديمو غرافي ) .

فهل ينتظر تنظيم داعش وخلاياه النائمة في جحورهم انبثاقا جديدا لمعادلة دموية تعيدهم إلى صدارة المشهد، لا سيما انه بالنسبة اليهم ، خسارة الارض ليست هزيمة!

استنادا” لما سبق فان السيناريوهات المحتملة لعودة تنظيم “داعش” الإرهابي بعد هزيمته في  معركة الموصل() :-

السيناريو الاول: اعادة تشكيل التنظيم الارهابي في محافظة نينوى من جديد ومحاولة السيطرة على بعض الاقضية والنواحي والقرى القريبة من الموصل تمهيدا” لمهاجمتها والعودة اليها من جديد . هذا السيناريو يعتمد على مدى هشاشة او صمود التعاون بين الحكومة الاتحادية واجهزتها الامنية من جهة وحكومة اقليم كردستان والبيشمركة من جهة اخرى .

السيناريو الثاني: استمرار عمليات تنظيم داعش  الارهابي في العراق بأسلوب حرب العصابات

، وهذا السيناريو مشابه الى حد كبير  حال حركة “طالبان” في أفغانستان بعد عام 2001 وحال تنظيم “القاعدة” بعد دخول القوات الأميركية إلى العراق، واسلوب داعش في العراق في زمن ابو مصعب الزرقاوي . ويعد هذا السيناريو هو الأقرب إلى الواقع، نظرًا لأن القتال هو الخطوة التالية لعملية اعادة تشكيل أو تأسيس التنظيم.

السيناريو الثالث : إنّ المقاتلين اللذين كانوا سابقا” موالين لتنظيمات سلفية جهادية اخرى وأولها تنظيم القاعدة ()، قد تنضمّ ثانية لجماعاتها السابقة، كما يتضح من الانقسامات العلنية داخل فرع تنظيم «الدولة الإسلامية» في سوريا و اليمن وليبيا. حيث سيستمر مقاتلو “داعش” في العملية القتالية، التي تمنح عناصر التنظيم دعما شكليا، وتظهر رؤية جديدة مستمدة من الجماعات السلفية الجهادية الاخرى مثل “جبهة النصرة”، و”جبهة فتح الشام” في سوريا.

السيناريو الرابع: اختفاء وانحسار تنظيم داعش الارهابي بعد انهيار ( الخلافة المزعومة) مما يجعل مقاتلو التنظيم في حل من البيعة لابي بكر البغدادي ! مع انخفاض الترويج والدعاية الدائمة للتنظيم، واختفاء اسم التنظيم فترة من الوقت عن وسائل الإعلام، ويعد هذا السيناريو واردًا، لاعتماده على رصد تعاملات الحكومات مع مواطنيها العائدين من صفوف “داعش”، ومثال على ذلك عرضت الحكومة الدنماركية على الدنماركيين المنضمين إلى “داعش” العودة لوطنهم من دون محاسبة، ليفقد التنظيم العناصر القديمة الأساسية، والجدل حول عودة مقاتلو التنظيم الى تونس وغيرها من الدول الاخرى .

 

 

عوامل لابد من اخذها بنظر الاعتبار ()

استنادا” لما سبق فإن تحرير الموصل لا يعني بالضرورة نهاية تنظيم داعش الارهابي ، ولا يعني وأد الارهاب. حيث لايزال السياق السياسي والامني الذي أحيا التطرف وأنعشه في الموصل ، لا يزال دون تغيير، لا بل يجري امداده وتغذيته بكل المقويات والذرائع ليبقى على قيد الحياة، او ليخرج برداء آخر فور توافر الشروط والمناخات، وهي اصلا لا تزال صالحة وملائمة وما اكثرها، فما الذي تغير في العراق وفي الاقليم حتى تسحب من المتطرفين والمتزمتين حججهم والذرائع؟

وهل القوى التي اسهمت بوجود المشكلة يمكن ان تكون هي صاحبة الحل او انها ستنقل الصراع من مرحلة الى اخرى، خدمة لغاياتها؟ خصوصا” وأن الحلول السياسية والتوافقات الدولية والاقليمية وخصوصا المحلية لاتزال غائبة في وقت تتطلع فيه  القوات الامريكية للبقاء قرب الموصل لفترات طويلة ! مع الاخذ بعين الاعتبار أن معركة تحرير الموصل كانت المعركة الأولى في العراق التي شاركت وتعاونت فيها كل مكونات الشعب العراقي وكتله السياسية المختلفة (السنة والشيعة والعرب والكرد والتركمان والايزيديين والمسلمين والمسيحيين…)، ومن المتوقع أن كل كتلة وطائفة ستحاول المطالبة باستحقاقات تنسجم مع أجندتها الخاصة من خلال هذه العملية. وهنا لابد من اخذ هذه الأمور بنظر الاعتبار:-

1-هل سيقبل الأكراد بدخول أو إعادة الجيش العراقي الاتحادي الى مواضعه وثكناته السابقة القريبة من (المناطق المتنازع عليها) ؟

2-هل سيقبل اهل الموصل من السنّة وجود قوات الحشد الشعبي ذات الصبغة (الشيعية)، في أو بالقرب من مدينتهم ؟

3-كيف سيمكن تجنيب السكان والمدينة من عمليات انتقام محتملة فيما بينهم ؟

4-ما هي الاجراءات الواجب اتخاذها لمواجهة الارث الدموي والتكفيري الذي تركه  تنظيم داعش الارهابي طيلة الثلاث سنوات  من احتلاله للمدينة؟

5-ما هو حجم الجهد الاستخباري المطلوب لفرض الأمن داخل محافظة نينوى ؟

6-ما هو حجم  القوة العسكرية التي يتطلب ابقائها في المدينة لحمايتها من عودة تنظيم داعش الارهابي  ؟

المطلب الثاني السياق الأمني المقترح لمدينة الموصل  بعد التحرير

 أن تحقيق(الأمن والاستقرار) في الموصل ، ستكون عملية أطول مدى وأكثر تعقيداً مما هو متوقع . ولن يكون الأمر سهلاً، وقد لا يتم بسرعة . ان النصر الذي تحقق باستعادة السيطرة على عموم محافظة نينوى ، يستحق المحافظة عليه بكافة الوسائل والطرق والاساليب .

ان خطة الدعم الانساني وحماية المدنيين التي طبقتها قيادة العمليات المشتركة بتوجيهات من القائد العام للقوات المسلحة  بموازاة خطط العمليات القتالية ، هيأت  الظروف الملائمة والفعالة للحصول على تعاون واسناد المواطنين الموصلييون ، وتضييق فرص التنظيم في الحصول على حواضن ومضافات في المستقبل . لقد كانت قبضة «داعش» المسيطرة على محافظة نينوى والموصل بالذات تشكل رمزاً لنجاح التنظيم. وبالتالي، قد فان معركة تحرير الموصل وفرض الامن والاستقرار فيها ، هي المعركة الوحيدة في العراق التي يمكن أن تثبت بشكل حاسم أن تنظيم «داعش الارهابي» عبارة عن قضية خاسرة.

معاضل عمل الاجهزة الامنية

من اجل ان يعمل اي جهاز استخبارات في العالم يحتاج في عمله الى خمس عمليات فعالة وهي كما يلي () :-

1-التخطيط .

2-توجيه مصادر تمويل المعلومات.

3-جمع المعلومات من مختلف المصادر وبمختلف الوسائل.

4-تحليل المعلومات وتحويلها الى استخبارات .

5-نشر المعلومات ( اي توظيف المعلومات الى دوائر صنع القرار).

على الرغم من تعدد أجهزة الاستخبارات وجمع المعلومات في القوات الامنية العراقية ، الا أنها تفتقر الى التخصص و التنسيق الدقيق فيما بينها ، بسبب عدم وجود قيادة أو جهة مركزية تنظيم أنشطتها وأعمالها.  ولعل هذه المشكلة الهيكلية تعتبر مشكلة اساسية لأنها ترتكز على مشكلة عدم تقاسم المعلومات  بين الوكالات الوطنية، ناهيك عن التعاون فيما بينها في جوانب فنية وتنفيذية اخرى .

ولقد اثبتت خبرة وتجربة قتال تنظيمي القاعدة وداعش في العراق أهمية الجهد الاستخباري مقابل عدو سري ، يتخفى بشكل كبير بين السكان المدنيين في ذات الوقت الذي يستهدفهم به . لذلك فأنه من الصعوبة البالغة مقاتلة عدو سري بجهد عسكري او أمني ظاهري .

ان التصدي للعمليات الارهابية داخل المدن والتي تستهدف السكان المدنيين باستخدام الدبابة والقوات العسكرية والشرطوية ، بات اسلوب غير مجدي وغير فعال في مواجهة  عدو متخفي بزي المواطنين لا يمكن فرزه والتمكن منه الا باختراقه استخبارياً ومحاصرته احصائياً وتكنلوجياً . فالدول تبني امنها من كسب ثقة الشعب والانتشار بين الناس , والعيون تراقب بصمت بلا جعجعة وهدير الدبابات والمدرعات , وتتنصت وتدقق وتنفذ وتتغلغل وتنتشر . واستنادا” الى الدروس المستخلصة من العمل الاستخباري ضد تنظيم داعش الارهابي فان من أبرز المعاضل التي تواجه عمل الاجهزة الاستخبارية هي ما يلي:-

1-ضعف أو غياب تقاسم وتبادل المعلومات، واحتفاظ اجهزة الاستخبارات المعلومات لنفسها . فبالإضافة الى جهاز الأسايش الكردي ستعمل خمسة اجهزة استخبارية في الموصل ومحافظة نينوى هي (جهاز المخابرات الوطني , ووكالة المعلومات التابعة لوزارة الداخلية, وجهاز الامن الوطني , ومديرية الاستخبارات العسكرية والمديرية العامة للأمن والاستخبارات) والاخيرتان تابعتان لوزارة الدفاع (رغم تداخل عملهما) () .

2-غياب التنسيق بين السلطات والاجهزة الاستخبارية في ظل خطر ارهاب تنظيم داعش .

3-غياب أو فقدان التخصص في عمل ووظائف الاجهزة الامنية والاستخبارية ، مما قد يولد العديد من اشكال التداخل والتقاطع في الاهداف والمهام ، الامر الذي يولد ويؤدي الى هدر في الجهود الاستخبارية.

4-تعدد الجهات الأمنية وتداخل المهام وتشابهها واحيانا تعدد مرجعياتها الادارية، من شأنه المساهمة بضعف المنظومة الأمنية ، ووضع العراقيل والمعوقات أمام تنفيذها لواجباتها ومهامها في مطاردة وكشف الخلايا الداعشية النائمة .

سياق التمكين الامني المقترح

لغرض دعم عمل الاجهزة الاستخباراتية في محافظة نينوى وفي مدينة الموصل بالذات لابد لها من العمل المنسق فيما بينها لجمع المعلومات عن التنظيمات الارهابية والجهات التي تحاول زعزعة الامن والاستقرار في المحافظة من خلال ما يلي :ـ

1-استثمار التعاطف والتأييد الشعبي الذي حققته القوات العسكرية والاجهزة الامنية التي حررت محافظة نينوى ومدينة الموصل من قبضة تنظيم داعش ، وذلك من خلال ادامة التواصل مع الناس كونه احد ابرز اذرع جمع المعلومات وتسهيل عملية اتصالهم مع الاجهزة الامنية من ، خلال ارقام هواتف محددة ومعروفة بما يشبه هاتف الاسعاف الفوري والنجدة وغيرها.

2-توزيع المهام والواجبات فيما بين الاجهزة الامنية في متابعة التنظيمات الارهابية أي بعبارة اخرى تخصيص جهاز أمني لمتابعة فصيل او تنظيم ارهابي معين حيث أن قيام كل جهاز امني بمتابعة كل التنظيمات الارهابية يعني هدر الجهود والامكانيات والتقاطع في بعض الاحيان في واجبات الاجهزة الامنية .

3-تقليص المظاهر العسكرية داخل المدينة والاعتماد على الشرطة المحلية والعناصر الاستخبارية في تولي مسؤولية الملف الامني داخل مدينة الموصل من خلال  الانتشار الصحيح لمفارز الشرطة ودعمها بالعجلات والآليات التي تمكنها من حفظ الامن وفرض القانون .

4-الافادة من اساليب الامن الاحترازي من خلال التفتيش والسيطرات المفاجئة و الدوريات والتدقيق على الكراجات والفنادق وتفعيل الامن المناطقي وتقنين حركة الارتال العسكرية داخل المدن و تفعيل دور الشرطة مع الاحتفاظ بقوات سوات خاصة في اماكن بعيده عن انظار الناس للضرورة.

5-مركزية الجهد الاستخباري في المدينة , وتوحيد القيادة والسيطرة وغرفة العمليات بين الاجهزة الاستخبارية والامنية وتوحيد الاجهزة الامنية مناطقياً.

6-نصب انظمة مراقبة وكاميرات في العُقَد والشوارع المهمة والزام جميع دوائر وشركات ومحال القطاع الخاص بنصب كاميرات .

7-تعزيز ثقة المواطنين في مدينة الموصل بالأجهزة الامنية والتفاعل معه واشراكه في حماية منطقته وتنفيذ استخبارات تواصلية مع المواطنين , وتنظيم مسح دقيق مع تجزئة المناطق , لنشر العيون والمخبرين وربط كل مخبري منطقة بضابط استخبارات و تفعيل دور المختارين والمعلومات المحلية .

8-تعزيز التعاون والتنسيق بين الاجهزة الامنية والاستخبارية و مسؤولي الحكومة المحلية (المحافظة والقائمقامية),  وذلك لضمان تأمين الدعم السياسي والاجتماعي لعمل الاجهزة الامنية والاستخبارية والتركيز على وضع الاجهزة الشرطوية بأمرة الحكومات المحلية.

9-ضرورة الاسراع بتلافي النقص في الموارد البشرية وذلك باستحداث وضائف وتطويع المزيد من اهالي محافظة نينوى للعمل في الاجهزة الامنية ! وهي مسألة ضرورية جدا” اذا ما علمنا أن بعد تعرض الدول الاوربية لهجمات ارهابية في العامين المنصرمين قامت الحكومة الفرنسية بفتح( 8500 ) وظيفة جديدة في قطاعي الأمن والقضاء و استحداث خمسة الاف وظيفة داخل جهاز الشرطة، وقامت الحكومة البلجيكية باستحداث (4600) منصبا أمنيا، وستكون حصة الشرطة الاتحادية ثلاثة آلاف وظيفة.

دور الجيش في دعم الامن والاستقرار

ان وجود الجيش في المدن وانتشاره في الشوارع لعدة سنوات لم يمنع التفجيرات ولم يحقق الامن والاستقرار . فلقد كانت لعسكرة الشارع تداعيات كثيرة , حيث اصبح الجندي يؤدي مهام الشرطي وتراجع الضبط العسكري  وتأثر بالحياة المدنية , وعم الفساد واللامبالاة بين عناصر السيطرات المنتشرة في المدن . ان تحويل المدن الى ثكنات عسكرية كان له الاثر الكبير في التأثير على عدم تعاون المواطن الذي اصبح لا يطيق الاجراءات ويتململ منها, ومع تكرار طويل للتفجيرات اصبح يسأل نفسه عن مدى فائدة هذا الانتشار والسيطرات.

وهذا ما اصاب الجيش في الموصل تحديداً قبل حزيران 2014. لذلك فان اعتماد اسلوب الامن المعلوماتي من خلال تعزيز الجهد الاستخباري بشكل كبير في مجال التمكين والسيطرة على الوضع الداخلي للبلد مع اعادة انتشار وتموضع صحيح لقطعات الجيش خارج المدن سوف يدعم ويعزز الامن والاستقرار , وذلك من خلال جعل الجيش عامل مساعد للأمن وليس مسؤولاً عنه . وعليه  فإننا نقترح أن يكون دور الجيش في دعم الامن والاستقرار في مرحلة ما بعد داعش كما يلي:

1-اعادة تموضع وانتشار تشكيلات وقطعات الجيش الى معسكرات وثكنات خارج مدينة الموصل (معسكر الغزلاني مثلا”) , ليكون سوراً وحامياً للمدينة وفي نفس الوقت يتصدى للإرهاب .

2-اعادة النظر بأسلوب القيادة والسيطرة بحيث تكون هناك قيادتي عمليات واحد للساحل الايسر والاخرى للساحل الايمن ، وذلك لاختلاف التضاريس الجغرافية لجهتي الموصل وكذلك طبيعة التهديدات المحتملة بالنسبة لكلا الاتجاهين ، فضلا” عن اعطاء مرونة اكثر في التعامل مع الملف الامني داخل مدينة الموصل .

3-منع حركة الدوريات وتنقل الارتال العسكرية في الموصل بشكر كبير , الا في حالات الضرورة القصوى .

4-الاحتفاظ بقوات خاصة أو بقوات الرد السريع وقوات طوارئ في بعض الاماكن الحيوية ووضعها تحت تصرف الأجهزة الامنية والاستخبارية للإفادة منها عند الضرورة بترخيص من السلطات وعند الضرورة القصوى.

5-تكليف الجيش بمسك وحماية بعض الاهداف والمنشآت الحيوية مثل مطار الموصل ومعسكر الغزلاني ومراكز الاتصالات وبعض عقد طرق المواصلات المهمة التي تربط مدينة الموصل بالأقضية والنواحي داخل المحافظة بأسلوب الربايا والدوريات والسيطرات المتحركة والكمائن.

6-التنسيق مع قوات البيشمركة وقوات التحالف الدولي لتأمين حماية المدن والقصبات والنواحي في محافظة نينوى وصولا” الى الحدود العراقية مع كل من تركيا وسوريا لمنع تسلل وعودة عصابات داعش الارهابية .وذلك من خلال تبادل المعلومات وتسيير الدوريات المشتركة والكمائن ومراقبة المنطقة بكافة وسائل الاستطلاع والاستمكان والتحسس البصري والالكتروني .

7-ان بروز أدوار أمنية عرقية وطائفية يكون همها الاول الحفاظ على “الامن المناطقي” وهي اشكالية سياسية وأمنية ينبغي معالجتها سياسيا” وأمنيا” .

 

دور قوات التحالف الدولي

لاشك ان الاحتفاظ بالنصر في الموصل سيكون مهمة ليست سهلة ، بل وربما أعقد من عمليات التحرير، لما يتطلبه من جهود استخبارية وانسانية ولوجستية ، الامر الذي يتطلب زيادة الدعم المقدم من قبل قوات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الامريكية خصوصا”  والمجتمع الدولي بشكل عام  ولاسيما في المجالات التالية :-

1-توسيع الدعم الاستخباري والاستطلاع الميداني وتبادل المعلومات الاستخبارية، بمختلف وسائل  الرصد والتحسس المتطورة .

2-زيادة عدد الفرق التدريبية والاستشارية العسكرية الأمريكية والغربية العاملة مع وحدات وتشكيلات القوات المسلحة العراقية وقوات البيشمركة وقوات الشرطة الاتحادية وشرطة نينوى .

3-زيادة عدد منسقي الاسناد الجوي القريب .

4-زيادة عدد الخبراء في الهندسة العسكرية بهدف التعامل مع الألغام والعبوات الناسفة والعجلات المفخخة.

5-توسيع التعاون العسكري والاستخباري وزيادة تركيز الضربات الجوية وتكثيف التدريب لتعزيز الانتصارات المتحققة في مختلف قواطع المواجهة مع عصابات داعش”.

6-المشاركة الفعالة في دعم عمليات اعادة اعمار محافظة نينوى بصورة عامة والموصل بصورة خاصة للعلاقة الوثيقة لهذه المسألة بالأمن والاستقرار المنشود للمحافظة والمدينة .

العدالة الانتقالية

العدالة الانتقالية تُشير إلى مجموعة التدابير القضائية وغير القضائية التي قامت بتطبيقها دول مختلفة من أجل معالجة ما ورثته من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. وتتضمّن هذه التدابير الملاحقات القضائية، ولجان الحقيقة، وبرامج جبر الضرر وأشكال متنوّعة من إصلاح المؤسسات () .

ويُعدّ موضوع العدالة الانتقالية أحد القضايا الشائكة عقب انتهاء مرحلة تنظيم داعش الارهابي في الموصل ، وبخاصة إزاء المآسي التي تعرّض لها سكان مدينة الموصل والمناطق المحيطة بها، في ظل الاضطهاد و الاستبداد الذي مارسه تنظيم داعش بحق اهالي الموصل ، من التعذيب والاختفاء القسري وبقية انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة .

وتتطلب العدالة الانتقالية كشف الحقيقة أولاً، ثم المساءلة وإنصاف الضحايا وتعويضهم وجبر الضرر، وذلك تمهيداً لإصلاح الأنظمة القانونية والقضائية والأمنية، وذلك لمنع تكرار ما حدث ووضع حد له في المستقبل، ناهيكم عن إعادة تثقيف للمجتمع ككل بروح العدالة().

وعليه فانه من الضروري جدا” الشروع بوضع الاسس اللازمة للعدالة الانتقالية، من قوانين ضامنة وأطرٍ سياسية  التي تستطيع أن ترسي أسس مصالحة وطنية “مجتمعية” وتصفي آثار الكراهية والثأر والاقصاء والاستئثار السياسي التي يحتمل جدا” بروزها بعد تحرير مدينة الموصل من تنظيم داعش الارهابي .

 

الخاتمة

لاشك أن ادارة الملف الامني ستستحوذ على اهتمام بالغ من لدن السلطات الحكومية بسبب طول الفترة التي سيطر بها داعش على المجتمع الموصلي ، الامر الذي يزيد من احتمالات تركه لخلايا نائمة قد تشكل له بابا” للعودة مرة اخرى لزعزعة الامن والاستقرار في المدينة ، هذا من جهة ومن جهة اخرى قد يؤدي المبالغة بالاهتمام بالملف الامني الى رد فعل سلبي من لدن اهالي المدينة لاسيما أنهم مروا بتجربة سابقة  مؤلمة مع القوات الامنية التي كانت مسؤولة عن الملف الامني لم تكن نتائجها ايجابية.

كما أن مجلس محافظة الموصل ومحافظها لم يتمكنوا من توجيه وقيادة المجتمع الموصلي بالشكل الايجابي الذي يحصن المجتمع من التعاطي السلبي مع حالة التغيير الي حصلت بعد عام 2003 ، خصوصا” اذا ما علمنا أن  الموصلييون لا يميلون الى العشائرية وهم جادون منضبطون يحبون النظام والقانون ويكرهون الفوضى ويحبون الالتزام والانضباط ويتكون مجتمعهم في الغالب الاعم من الضباط القدماء واساتذة في الجامعة ومحامين ومهندسين واطباء ويميل معظمهم الى (العروبية) خصوصا” سكان مدينة الموصل ، و يفضلون أن يديروا انفسهم بأنفسهم  …

لذلك فانه ليس من الحكمة فرض الاحكام العرفية في المدينة بعد تحريرها من داعش() ، والحرص على تسليم السطات الى ادارة مدنية (من النخب الموصلية) بأقرب فترة ممكنة . وهنا لابد من الاشارة الى أن تبقى عملية ادارة الملف الامني في مدينة الموصل تحت اشراف وقيادة الحكومة الاتحادية  بالتعاون والتنسيق مع مجلس محافظة الموصل والأجهزة الامنية في اقليم كردستان ..

التوصيات الختامية

1-اعادة النظر بأسلوب القيادة والسيطرة بحيث تكون هناك قيادتي عمليات واحد للساحل الايسر والاخرى للساحل الايمن ، وذلك لاختلاف التضاريس الجغرافية لجهتي الموصل وكذلك طبيعة التهديدات المحتملة بالنسبة لكلا الاتجاهين ، فضلا” عن اعطاء مرونة اكثر في التعامل مع الملف الامني داخل مدينة الموصل .

2-ان التنسيق والتعاون مع التحالف الدولي ينبغي ان ينصب باتجاه توسيع وتسريع وتيرة الضربات الجوية، ونشر فرق “تنسيق الهجوم النهائي المشترك”، فضلاً عن الفرق الاستشارية لتطال وحدات الكتائب التي تنفذ الهجمات، واستخدام منظومات أسلحة أخرى على غرار منظومات مدفعيات وصواريخ ارض/ ارض ميدانية والمروحيات الهجومية، نظراً لدورها المباشر في مساندة العمليات البرية، وتزويد الجيش العراقي بأسلحة أكثر ثقلاً.

3-من الضروري وضع الخطط لمواجهة ردود الفعل المحتملة لتنظيم داعش الارهابي بعد طرده من مدينة الموصل ! لذلك لابد من تفعيل العمل الاستخباري واجراء تقدير موقف استخبارات للوقوف على مسالك العدو المحتملة في ادارة معركته الدفاعية عن وعلى مدينة الموصل !

4-درئا” للمخاوف  من “سيناريوهات” ما بعد مرحلة “داعش”، والخشية من حدوث اعمال انتقامية بين السكان . لذلك لابد من اعتماد اسس ومعايير العدالة الانتقالية  .

5-لابد للسلطات الحكومية من الاسراع بعد تحرير المدينة من تنظيم داعش النظر بشكل جاد  في حقوق المتضرّرين من سكان المدينة من جراء العمليات العسكرية او من قبل التنظيم المسلح والذين تعرضوا للتعذيب ولانتهاكات ، وذلك من خلال تشكيل هيئة كهيئة السجناء او الشهداء التي تهتم بشؤون المتضررين من تنظيم داعش الارهابي، في مدينة الموصل والبلدات التي تحيطها .

6-التعامل بشكل انساني مع من تعرض الى التهديد والاجبار على حمل السلاح، ومن غرر به من المراهقين والاطفال. حيث ان “من الخطأ القول ان هؤلاء المدنيين باقون في مناطقهم بمحض ارادتهم، ويجب عدم التعامل معهم كمؤيدين لتنظيم (داعش)، بل هم ضحايا ينتظرون قدوم الجيش لتحريرهم”.

7-من الضروري السعي لمطالبة المجتمع الدولي بالمساهمة الجادة في اعادة اعمار البنى التحتية في المناطق التي تعرضت لأضرار بسبب الحرب على تنظيم داعش الارهابي .

8-عدم السماح بمسك الارض لجهات “غير رسمية” لا يمكن معاقبتها، اي لا سلطة للدولة عليها .

9-أن تبقى عملية ادارة الملف الامني في مدينة الموصل تحت اشراف وقيادة الحكومة الاتحادية  بالتعاون والتنسيق مع مجلس محافظة الموصل والأجهزة الامنية في اقليم كردستان ..

هوامش ومراجع البحث

([1]) امين قمورية أيّ مستقبل ل”داعش” بعد الموصل والرقة؟ جريدة النهار” بتاريخ 11 تشرين الثاني 2016 .

([1]) بروس هوفمان و ماثيو ليفيت ،ما بعد ‘الخلافة’: مستقبل الحركة السلفية الجهادية ، معهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى ،  تشرين الثاني/نوفمبر 2016 على الرابط  http://www.washingtoninstitute.org/ar/experts/view/bruce-hoffman.

([1])   اللواء الركن الدكتور عماد علو ، ادارة الملف الامني في مدينة الموصل بعد التحرير ، دراسة مقدمة الى ورشة عمل مدينة الموصل بعد التحرير التي اقامها قسم الدراسات الامنية والعسكرية في مركز النهرين للدراسات الاستراتيجية ، اذار 2017 .

([1])   ينظر بشير الوندي ، مدخل الى معضلة الاستخبارات في العراق، على الرابط الالكتروني ، http://www.alnoor.se/article.asp?id=267563#sthash.57kyg7eo.dpuf…

([1])   بشير الوندي ، المصدر السابق .

([1])  ينظر ماهي العدالة الانتقالية ، على الرابط الالكتروني https://www.ictj.org/ar/about/transitional-justice..

([1])  عبد الحسين شعبان ، عن العدالة الانتقالية ، على الرابط الالكتروني . http://aliraqnews.com/

([1]) ينظر ، محمد شريف اسماعيل عبد المجيد  ، سلطات الضبط الاداري في الظروف الاستثنائية دراسة مقارنة ، ص 212.

* حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

 اللواء البحري الركن المتقاعد ،الدكتور عماد علو

 

اخر المقالات