إعادة صوغ النظرية الأمنية لمواجهة الهجمات الاليكترونية. الدكتور عبد الحفيظ محبوب

إعادة صوغ النظرية الأمنية لمواجهة الهجمات الاليكترونية. الدكتور عبد الحفيظ محبوب

إعداد: د.عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب،أستاذ بجامعة أم القرى بمكة

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات 

في السنوات المقبلة ستكون الدول مجبرة على مراجعة جذرية لسياساتها الدفاعية القائمة حاليا على مراكمة أحدث الأسلحة، لكن الوقائع التي عاشها العالم منذ بداية الألفية الثالثة كشفت عن انقلاب جذري في معايير تصنيف الدول وفق فقط مراكمة الأسلحة المتقدمة والحديثة أي فقط من زاوية القوة العسكرية.

لم يصدق أحد من القصص التي كانت خيالية في يوم من الأيام يتبناها العديد من المخرجين والمبدعين أصبحت اليوم حقيقة رأي العين، وأصبح الفضاء الافتراضي جزء من العالم الواقعي الذي نعايشه بل ونعانيه، فأصبحت الاعتداءات أغلبها مرتبطة بعالم الواقع الافتراضي وكان له دور مباشر.

ليس هذا فحسب بل أصبحت الأحداث الإلكترونية متسارعة وهي في صدارة الأحداث العالمية، وهي محط اهتمام ومتابعة الرأي العام العالمي.

يعاني العالم قلقا وخوفا من هذه الأحداث الإلكترونية بسبب أن البنية التحتية الحيوية لكافة الدول كلها باتت تعتمد على المجال الافتراضي بشكل مباشر وغير مباشر، بعدما كان العالم يبشر بالقرية الكونية، لكنه لم يكن جاهزا ومستعدا لمواجهة الأحداث الإلكترونية.

الحديث أن العالم الافتراضي أصبح ساحة مكانية وزمانية هرعت إليها رؤوس الأموال والحركة الثقافية والاقتصادية والترفيه حتى الجريمة التي لم يحسب لها الذين ساهموا في تنمية وتطوير العالم الافتراضي حساب بل قد يكون تطور العالم الافتراضي المتسارع أبهرهم كما أبهر الجميع، وجعلهم يغضون الطرف عن آثار وأخطار هذا العالم الافتراضي.

عندما بدأ الجميع يتحدث عن آثاره الاجتماعية لكن أيضا الجميع أهمل آثاره في دعم الجريمة بشكل منظم وخفي وسريع لا يمكن لوسائل مكافحة الجريمة التقليدية أن تكتشفها أو تتابعها، ما يعتبر فشل أمني، وهو ما نجده في معاناة الجهات الأمنية في أوربا في مواجهة انتشار الإرهاب الإلكترونية الذي انتشر مؤخرا في أوربا، ولا تزال أوربا تعاني من هذه الجريمة الافتراضية.

يبدو أن أجهزة أمن الدول ركزت أكثر على إعادة النظر في التجسس والاختراق والتحكم في قواعد بيانات قد تمس الأمن القومي والحيوي والتي كان على رأسها تدخل روسيا في الانتخابات الأمريكية الأخيرة جعلتها في مكان متقدم من قائمة أهدافها وأولوياتها الاستخبارية ونشاطاتها الوقائية، لكن أهملت أو أجلت الاهتمام بالإرهاب الإلكتروني، والتي يسميها البعض بأنها ساحة الحرب الخامسة بعد البر والبحر والجو والفضاء الخارجي، بل البعض يسمي الحيز الافتراضي بمجال خامس.

ما يعني أن العالم يتجه نحو حروب المجال الخامس بين الدول بديلا عن الحروب التقليدية، لكن الإرهاب استبق حروب المجال الخامس بين الدول وكان الأسبق في استخدام هذا المجال الخامس في تحقيق إرهابه ما لم يكن قادر على تحقيقه عبر الوسائل التقليدية بسبب أن الأجهزة الأمنية له بالمرصاد، حيث وجد هذا المجال خصب في تحقيق أجنداته التي لا تحتاج لحشود وعدة وعتاد من الضوابط التي تؤطر الحرب كواحدة من أخطر الحروب التي ستعاني منها الشعوب والدول في المستقبل.

 

أي هجوم الكتروني البعض يسميه بالحروب الناعمة، وكانت تسريبات ويكيليكس أول عاصفة إلكترونية جامحة يعرفها العالم المعاصر، ولم تتوقع أوربا العمليات الإرهابية بهذا الحجم الواسع التي تعتبر بداية أفول حقبة الأرقام الضخمة في تركيبة الجيوش ومعداتها بلا تكاليف كبيرة، وهو ما تحتاج إليه الجيوش من إعادة هيكلة جيوشها وفق المتغير الجديد، يبدو أنه لم تعد هناك دول متقدمة ودول متخلفة في ظل العالم الافتراضي قد يلغي هذا التقسيم، وهو ما سيدخل العالم مرحلة جديدة من المواجهة، بعدما أصبح المجال الافتراضي بمنزلة ساحة قتال جديدة تشكل تهديدا يضاف إلى قائمة التهديدات التقليدية التي تواجه العالم وتتجاوز في أبعادها وآثارها الحدود الجغرافية والسياسية.

يسميها البعض بالحرب الهجينة الجديدة التي تلقي بتداعياتها على مستقبل الأمن القومي والحيوي للدول، وهو على غرار تقنيات الحروب التقليدية يمكن للمحارب في الحرب الإلكترونية أن يلجأ إلى الحصار الافتراضي ما يؤثر على قدرة الأجهزة الحيوية في الدولة المستهدفة التي تعطل جاهزيتها وفاعليتها وتقلل من قدراتها حتى في الحرب التقليدية.

لم يصاحب الثورة المعلوماتية ثورة أمنية مصاحبة والتي لا زالت تمثل تحديات أمنية في مقابل شعور الإرهابيين بنشوة النصر، لكن ما صاحب الثورة المعلوماتية معركة تتعلق بحرية المعلومات حول العالم حتى لا تعيق الانتشار الواسع للثورة المعلوماتية.

العالم بحاجة إلى صوغ نظرية أمنية جديدة تتوافق مع التحديات الكبرى التي تطرحها مخاطر الحيز الافتراضي، ما يعني أنها بحاجة إلى جيوش متخصصة في الحروب الإلكترونية تعمل على مواكبة ورصد المجال الخامس في الحروب بكل مستجداته المتلاحقة التي لن تتوقف بل ستواصل تطورها إلى جانب إعادة المجتمع الدولي التفكير في بلورة متكاملة حول السلم والأمن الإلكتروني لأن الحرب الهجينة ستكون الإنسانية الهدف الأساسي لها.

الإرهاب في بداية الألفية كان بحاجة كما في أحداث 11 سبتمبر كان نتاجا لإفراز تنظيم عنقودي له قيادة تعطي التعليمات لمن يقوموا بالمهمة، لكن العمليات الأخيرة التي جرت في أوربا كانت نتاجا وإفرازا لتواصل شبكات الإنترنت دون لقاءات شخصية أو سابق معرفة ما يسموا بالذئاب المنفردة.

التحقيقات في هجمات باريس كشفت أن الإرهابيين استخدموا في التواصل بينهم بعض الألعاب المتاحة على شبكة الإنترنت ونجحوا في خداع أجهزة الأمن الفرنسية، وتجنبوا طرق الاتصال التقليدية المراقبة، وكانت الفكرة غير مسبوقة، لذلك تمت العملية بنجاح كامل وفق مخططهم الذي وضعوه، وهو ما يعتبر فشل لأجهزة الأمن الفرنسية، الأمر الذي مثل لطمة كبرى لأجهزة أمن دولة كبرى متقدمة مثل فرنسا.

بل بات الإرهابيون يستخدمون حتى تطبيق التلغرام كما في حالة انتحاري مترو سان بطرسبوغ ومشرفه الخارجي قد استخدما ميسنجر تلغرام في الترتيب للعمل الإرهابي عبر كل مراحله من إعداد وتنفيذ وصولا إلى لحظة التفجير داخل عربة القطار ما أوقع عدد من القتلى والجرحى.

فمعظم عناصر المنظمات الإرهابية الدولية يستخدمون برامج ميسنجر التي تتيح لهم إقامة محادثات سرية على مستوى من تشفير البيانات المنقولة، لذلك دعت السلطات الروسية مطالبة بافل دوروف مؤسس تلغرام بتقديم بيانات لابد منها ليتوافق ميسنجر مع المعايير والشروط التي تنص عليها التشريعات الروسية بما في ذلك تسليم شفرات الدخول إلى فضائه وتتبع تحركات المشبوهين ولاتصالاتهم عبره، لكنه رفض دوروف هذا الطلب بحجة أنه يتعارض مع الحريات الدستورية، لكنه أيقظ عند كثيرين مشاعر وأفكار تقود إلى مكافحة الإرهاب عبر الإنترنت.

الآن تواجه شركات فيسبوك ومايكروسوفت وتويتر ويوتيوب ضغوطا متزايدة من حكومات العالم لمنع نشر الدعاية الإرهابية، ما يعني أن تلبية هذه الشروط يجعل هذه الشركات تدخل معاناة والتخلي عن المنافسة التي من خلالها تحقق أرباحها وتحقق ابتكاراتها من أجل هدف أكبر يهددها جميعا وهو الإرهاب المدمر، وهو ما جعلها تؤسس منتدى إنترنت حول العالم يضفي طابعا رسميا ويرسي التعاون بينها من أجل تقاسم أفضل الأدوات التكنولوجية والتنظيمية التي تطورها كل شركة من شركات المنتدى، ما يمكن أن ينتج عن التهديد الناجم عن المحتوى الإرهابي على الانترنت.

البيان الأخير لعمالقة الانترنت حول العالم يوضح كيف أن عمل المنتدى سيركز على الحلول التكنولوجية لرصد المحتويات الإرهابية والقيام بأبحاث لتحسين وسائل الدعاية الإرهابية، يبدو أن مجمع الاستخبارات الأميركية الذي يضم نحو ست عشرة وكالة استخباراتية عجلت بهذا النوع من أنواع الحرب على الإرهاب عبر الانترنت، رغم ذلك ما زال العالم في بداياته في مواجهة الإرهاب عبر الانترنت.

*حقوق النشر محفوظة للمركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

Dr_mahboob!@hotmail.com

د.عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب

 

اخر المقالات