ألمانيا.. أزمة المقاتلين الأجانب.. مداهمات واعتقالات

ألمانيا.. أزمة المقاتلين الأجانب.. مداهمات واعتقالات

إعداد المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات 

أصبح موضوع المقاتلين الأجانب ، أحد الموضوعات الهامة على الأجندة الألمانية ، ومع الضربات المتلاحقة التي تلقاها “داعش” في سوريا والعراق ازدادت أعداد العائدين من التنظيم بشكل كبير إلى ألمانيا، وهم الذين خاضوا المعارك واستطاعوا النجاة بأنفسهم منها، ولكنهم يشكلون الآن قنابل موقوتة ليس داخل أوطانهم فحسب بل وفي القطر الأوروبي كذلك، وسط مخاوف كبيرة من موجة نزوح لهم واسعة النطاق من مناطق القتال في ظل تشديد الضغط على مدينتي الموصل والرقة، وهناك تخمينات بقرب انهيار تنظيم “داعش” حتمًا، ولهذا فإنه من الممكن أن ينظر التنظيم في إستراتيجيات جديدة تستهدف خصوصا أمن أوروبا من عدة جبهات.

والهزائم التي لحقت بتنظيم “داعش ” في العراق وسوريا لن تقلل من مخاطر الإرهاب على ألمانيا ، فمازالت برلين مهددة بخطر داهم، وأن التدخل العسكري الألماني في العراق وسوريا أصبح مبررًا كافيًا بالنسبة لتنظيم “داعش” كي يستهدف ألمانيا بعملياته الإرهابية، وأصبح على السلطات الألمانية أن تواجه الخلايا النائمة، وأن تتحسب لاحتمال تسلل الإرهابيين مع اللاجئين، وأن ترصد التطرف المتزايد بين الإسلاميين المتشددين المقيمين في ألمانيا، وأن تحسب حسابًا للمتطرفين المنفردين الذين يزدادون تطرفًا بفعل الدعاية على الإنترنت.

إحصائيات عن المقاتلين الأجانب في ألمانيا

أجرى مركز المعلومات ومركز مكافحة التطرف والجريمة الاتحادي بولاية “هسن” الألمانية ومكتب الأمن القومي دراسة تُظهر تراجع أعداد المسافرين للانضمام لصفوف تنظيم داعش الإرهابي. ذكرت تلك الدراسة أن أكثر من 850 إسلاميًا غادروا ألمانيا خلال الأعوام الماضية متوجهين إلى سوريا وشمال العراق. كما فحصت تلك الدراسة السيرة الذاتية لـ 784 شخصًا تتراوح أعمارهم بين 13 و62 عامًا انضموا إلى تنظيم “داعش” أو “جند الشام” أو “جبهة النصرة” في سوريا والعراق. ولد 61 % ممن تم فحص حالاتهم في ألمانيا، أما الباقون فينتمون لأصول تركية أو سورية أو روسية أو لبنانية، وأشارت الدراسة أيضًا إلى أن معظم هؤلاء الأشخاص يحملون الجنسية الألمانية وأن 27 % منهم مزدوجي الجنسية، فمنهم “ألماني تونسي” أو “ألماني مغربي” أو “ألماني تركي”.

وأظهرت الدراسة أن 274 شخصًا منهم عادوا مجددًا إلى ألمانيا، وأن 48 % منهم ما زال ولاؤهم لجماعاتهم المتطرفة، وترجح السلطات الأمنية أن 8 % من هؤلاء المقاتلين عادوا إلى ألمانيا بغرض استعادة القوة أو تدبير عتاد جديد، بينما عاد حوالي 10% بسبب الإحباط أو التحرر من الأوهام، كما أكدت الدراسة أن ربع العائدين أظهروا استعدادهم للتعاون مع السلطات الأمنية الألمانية . وفيما يلي تفصيل لحالات العائدين من “داعش” إما بإرادتهم وإما بعد أن تم ترحيلهم إلى ألمانيا.

دور الشرطة الألمانية في مكافحة الإرهاب

نجحت السلطات الألمانية بتشكيل  وحدة شرطة جديدة تحمل اسم “وحدة معاينة الأدلة وتنفيذ الاعتقال”، ومقرها بالقرب من العاصمة برلين وهي تتشكل من 50 شرطياً، ومن إنشاء أربع وحدات إضافية ، تضم كل واحدة منها 50 موظفاً وتتمركز في مواقع أخرى

ويوضح”يورغ رادكه”، نائب رئيس نقابة الشرطة الألمانية السبب الرئيسي وراء إنشاء وحدة خاصة لمكافحة الإرهاب قائلا: “الاعتداءات بباريس لم تكن معهودة بهذا الشكل”، وأضاف رادكه “إننا نتعامل مع جناة متمرسين على الأعمال الحربية يجيدون استخدام الأسلحة”، ويتميز هؤلاء الجناة بقدرتهم على التحرك وتنفيذ اعتداءات عدة في مواقع مختلفة في آن واحد، وهذا التكتيك الذي ينهجه الإرهابيون يشكل تحديا كبيرا أمام الشرطة.

وتوجد في ألمانيا منذ مدة وحدة خاصة تابعة لشرطة حماية الحدود للتعامل مع هذا النوع من السيناريوهات المحتملة بما يشمل أيضا المخاطر المحدقة بعناصرها، ومهمتها هي التدخل لبسط الأمن، وتحافظ هذه الوحدة الخاصة على قدراتها الحرفية بالتدريب المستمر، وتوجد وحدات أمنية خاصة وفرق تدخل سريع مماثلة في الولايات الألمانية المختلفة، وتُعتبر كافة هذه الوحدات فرق تدخل للعمليات السريعة لكنها غير مؤهلة لمجابهة عمليات مطاردة طويلة تستمر أياما، وعليه فإن وحدة الشرطة الجديدة مطلوب منها أن تملأ هذه الثغرة، وتقدم الدعم في عمليات مكافحة الإرهاب.

من جانبه، قال وزير الداخلية “دي ميزير” إن الحكومة الألمانية قادرة في الأوقات الصعبة، على التوصل إلى نتائج معقولة لزيادة أمن المواطنين، دون التدخل في حقوق الحريات على نحو غير مناسب، مؤكدا أنه عن طريق هذه الإجراءات التي تشكل تتمة للقوانين الأمنية التي يتم دراستها أو إعدادها “نريد رفع مستوى الأمن وتوجيه إشارة قوية إلى مواطنينا.”

 دور الاستخبارات الألمانية

يقول رئيس وكالة المخابرات الداخلية الألمانية “جورج ماسين”، عام 2017، إن وكالته تراقب 584 متطرفا تعتبرهم خطرا وقد ينفذون هجمات، وطالب “ماسين” خلال مؤتمر صحفي الدول الأوروبية باليقظة تحسبا من هجمات إرهابية محتملة قد يشنها متطرفون، وفق ما أوردت وكالة “أسوشيتد برس”.”

ويقول: “علينا أن نفترض أنه سيكون هناك المزيد من الهجمات في أوروبا، وهذا يعني بالتبعية المزيد من الهجمات في ألمانيا، لكن المراقبة لا تعني إحباط مخططات الإرهابيين، فأنيس العماري الذي ارتكب هجوم الشاحنة في برلين كان خاضعا للمراقبة، إلا أنه أفلت منها، وأوضح ماسين أنه نحو 9700 شخص في ألمانيا يعدون جزءا من المشهد السلفي الإسلامي المتطرف، لكنهم جميعا لا يتبنون العنف.

وقالت صحف ألمانية، إن المشرعين الألمان وافقوا على زيادة الإنفاق على أجهزة الأمن والاستخبارات بالبلاد، وذلك لمواجهات التهديدات الجديدة التي تواجه ألمانيا،وأوضحت صحيفة “فيلت” أن عدة تشريعات مررتها لجنة الموازنة التابعة للبرلمان الألماني تنص على ضم 3250 عنصرا جديدا إلى قوات الشرطة الاتحادية في السنوات المقبلة، وفق وكالة ” أسوشيتد برس”.

ونقلت الصحف عن نواب قولهم، أن هناك خططا للتوظيف في وكالة جديدة معنية بفك الاتصالات المشفرة قد تضاعفت إلى 120 فردا، وتشمل زيادة الإنفاق أيضا خططا خاصة بالحماية المدنية والمهاجرين، على أن يمررها البرلمان، وفي تطور منفصل، ذكرت صحيفة “زود دويتشه تسايتونغ” أن جهاز الاستخبارات الاتحادي من المقرر أن يتسلم قمرا اصطناعيا خاصا به ، ويعتمد الجهاز حاليا على صور الأقمار الاصطناعية التي يلتقطها الجيش الألماني أو أجهزة استخبارات حليفة.

دور الجيش الالمانى

دافعت وزيرة الدفاع الألمانية “أورزولا فون دير لاين” عن خططها بشأن القيام بتدريبات مشتركة بين الجيش الألماني والشرطة لمكافحة الإرهاب داخل البلاد، وقالت “فون دير لاين” عام 2016 خلال زيارة لقائد المهام الإقليمية في العاصمة برلين والمسؤول عن مهام الجيش في الداخل: “من المهم أن يتم الاستعداد”، وشددت على ضرورة القيام بتدريبات للتعامل مع سيناريوهات الهجمات الإرهابية الكبيرة.

وتعتزم الوزيرة الاتحادية إعداد التدريب الأول لمواجهة حالة الإرهاب في البلاد بالتعاون مع وزير الداخلية الاتحادي “توماس دي ميزير” والكثير من الوزارات المحلية ، ويشار إلى أن أطراف الائتلاف الحاكم يتنازعون مجددا بشأن الاستعانة بالجيش الألماني في مهام بالداخل منذ أعمال العنف التي شهدتها ميونيخ “وأنسباخ وفورتسبورغ” مؤخرا، ويسمح الدستور الألماني بمثل هذه المهام في حالات استثنائية فقط، وفي هذا السياق قالت “فون دير لاين”: “أرى أنه من المهم أن نستنفد الإمكانات المتاحة داخل الدستور بشكل عملي تماما”، وقالت إنه ليس من الضروري تغيير الدستور لإشراك الجيش في مهام داخلية.

تشريعات وقوانين جديدة

اتفق وزيرا العدل والداخلية في ألمانيا “هايكو ماس”و”توماس دي ميزير”  خلال عام 2017 على تكثيف التعاون بينهما والتزام الشدة والحسم في مواجهة الأشخاص الذين يشكلون مصدر خطر على الأمن في ألمانيا، ويأتي ذلك كرد فعل من الوزيرين على هجوم الدهس الإرهابي في برلين عام 2017 والذي أودى بحياة 12 شخصا وأسفر عن إصابة 51 آخرين.

ومن المنتظر إدخال إصلاحات على قوانين مكافحة الإرهاب، منها تسهيل إقامة سجن للترحيلات والاستعانة بنظام المراقبة الإلكترونية المعروف بـ “نظام السوار الإلكتروني” الذي يوضع في القدم، وأوضح”ماس” أن هناك رغبة في “ضمان عدم تكرار واقعة عامري في ألمانيا مرة أخرى”، في إشارة إلى الهجوم الإرهابي بشاحنة على سوق للميلاد في برلين، وأضاف الوزير المنتمي إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي أن سوار القدم الإلكتروني “ليس وسيلة ناجعة لكنه سيسهل العمل لسلطات الأمن لدينا”.

يذكر أن تقديرات هيئة حماية الدستور (الاستخبارات الداخلية) تشير إلى أن ألمانيا يعيش بها في الوقت الراهن( 1100 )  اسلاموي متشدد لديهم استعداد للعنف، منهم 430 شخصا مصنفون بأنهم خطرون للغاية بشكل يمكن معه أن تنسب لهم جريمة خطيرة في أي وقت.

واقرمجلس النواب الألمان عام 2016 قانونا جديدا الهدف منه تحسين وسائل مكافحة الإرهاب عبر تعزيز تبادل المعلومات بين أجهزة الاستخبارات والتشديد على معرفة هويات الأشخاص الذين يبتاعون أرقاما لهواتف محمولة مسبقة الدفع.

واقر “البوندستاغ” القانون الذي تم إعداد نصه بعيد اعتداءات باريس وبروكسل، وهو يتيح للاستخبارات الخارجية الألمانية تحسين تبادل المعلومات حول المشتبه بهم بالإرهاب مع “أجهزة الاستخبارات المهمة” خصوصا في دول الأطلسي والاتحاد الأوروبي.

* حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

اخر المقالات