أساليب مكافحة الإرهاب في فرنسا

أساليب مكافحة الإرهاب في فرنسا

المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

إعداد “وحدة الدراسات والتقارير”

تواجه فرنسا مؤخرا تصاعد للتهديدات الإرهابية داخل أراضيها، وكذلك تسعي بكل قوة لمواجهة خطر “المقاتلون الأجانب” أو العائدين من مناطق الصراع إلي أوروبا؛ وفي سبيل ذلك اتخذت عدة خطوات ووسائل لمجابهة هذا التهديد الإستراتيجي داخل حدودها.

قوانين فرنسية لمكافحة الإرهاب

دخل إلى حيز التنفيذ قانون فرنسي جديد لمكافحة الإرهاب في 19 ديسمبر 2012، ويجيز القانون الجديد ملاحقة الفرنسيين الذين يقومون بأعمال إرهابية في الخارج أو يتدربون في معسكرات خارجية للقيام بأعمال “جهادية” ، ونشر القانون في الجريدة الرسمية بعد أن صادق عليه الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند وفق تقرير لفرانس 24.
و يجيز هذا القانون ملاحقة فرنسيين يقومون باعمال ارهابية في الخارج او يتدربون في الخارج للقيام باعمال “جهادية” بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، وينص القانون على إمكان ملاحقة أي فرنسي يسافر للتدرب في معسكر حتى لو لم يرتكب اي عمل مسيء في فرنسا وحتى لو لم يمض شبابه على الاراضي الفرنسي ، وذلك بتهمة تشكيل عصابة اجرامية بهدف ارتكاب عمل ارهابي وهي جريمة تعاقب بالسجن عشر سنوات وغرامة تبلغ 225 الف يورو.
وخضع مشروع القانون للبحث في آلية سريعة (بقراءة واحدة في كل غرفة في البرلمان) وهو ينص على تمديد الاحكام المؤقتة لقانون 23 يناير 2006 التي تجيز مراقبة بيانات هاتفية وعلى الانترنت ، واقر البرلمان الفرنسي القانون بإجماع واسع في 12 ديسمبر2012.

قانون لتعزيز دور الاستخبارات في مكافحة الإرهاب

عرضت الحكومة الفرنسية في 18 مارس 2015 مشروع قانون لتعزيز الوسائل المتاحة لأجهزة الاستخبارات للتصدي للمخاطر الجهادية، وفق تقرير للمركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، بعد اعتداءات باريس الإرهابية في يناير 2015.
ويسمح هذا القانون لأجهزة الاستخبارات باختراق “الإرهابيين” المحتملين ومراقبتهم من خلال أذونات ادارية بدون الموافقة المسبقة من قاض.

واستبقت السلطات الانتقادات في مجال الحريات العامة والحياة الخاصة مؤكدة ان كل هذه التدابير ستخضع للاشراف وان المراقبة ستقتصر حصرا على الحالات المتعلقة بالإرهاب ، وأوضح مكتب رئيس الوزراء ان “فرنسا هي احدى الديموقراطيات الغربية الاخيرة التي لا تملك اطارا قانونيا متماسكا ومتكاملا” يضبط عمل اجهزة الاستخبارات الستة.

وأوضح مستشارو الوزارات المعنية (الداخلية والعدل والدفاع) أن مشروع القانون يهدف إلى منح الأجهزة الوسائل المناسبة في مواجهة التقنيات الجديدة وادراج ضمن اطار قانوني ما كان يتم خارج مراقبة القضاء وخارج اي اطار بصورة عامة ، وسيكون بالإمكان بموجب القانون الجديد القيام بعمليات “اعتراض امني” لمحتوى الرسائل الالكترونية والاتصالات الهاتفية ولكن فقط اذا كانت على ارتباط مباشر بالتحقيق.

كما ينص القانون على اللجوء الى اجهزة لتسجيل كلام اشخاص وصورهم، او لبرامج معلوماتية تلتقط البيانات المعلوماتية؛ ما سيسمح لعناصر الاستخبارات بوضع ميكروفونات وكاميرات تجسس وغيرها اينما يرون ذلك ضروريا بما في ذلك اقامة مراكز تتبع هواتف المشتركين التي تسمح باعتراض الاتصالات في مربع معين، سواء اتصالات مشتبه بهم او المقربين منهم.

وينص القانون على سبيل المثال على التقاط ما يتم نقره على مفاتيح هاتف معين بشكل اني ، كما يلزم القانون مشغلي خطوط الهاتف ومزودي الانترنت بتسليم السلطات كل ما يمكن ان يجمعوه من بيانات.وأكدت السلطات الفرنسية في تصريحات لوكالة الأنباء الفرنسية أن هذا القانون لا يمت إلى قانون “باتريوت اكت” الاميركي لمكافحة الارهاب الذي اقر اثر اعتداءات 11 ايلول/سبتمبر 2011.وافادت رئاسة الوزراء ان الاجراءات ستحدد بشكل دقيق، وأن أي طلب سيكون مبررا، والقرارات تبقى من صلاحية رئيس الوزراء نفسه وستكون محدودة في الزمن.

التجربة الفرنسية في مكافحة الإرهاب

يشرح تقرير لصحيفة “اندبندنت”، أبعاد الوسائل الفرنسية لمكافحة الإرهاب بعد هجمات باريس الإرهابية في 2015 ، حيث طرح الرئيس فرانسوا أولاند العديد من القوانين الجديدة، إضافة الى زيادة الميزانية الخاصة بالأمن العام، بينما تغيرت العديد من القواعد المُطَبّقة على رجال الشرطة من عدة نواحي؛ حيث يسمح لجميع رجال الشرطة بحمل أسلحتهم طوال اليوم، حتى بعد انتهاء الدوام؛ ويحق لرجال المرور تفتيش الركاب وأمتعتهم، إذا ما أثار شخص ما ريبتهم؛ فأصبح من الممكن منع “الجهاديين” المشتبه بهم من السفر خارج البلاد.

بينما عملت فرنسا على تغيير نظام السجون، عن طريق فصل السجناء المتطرفين، في أجنحة منفصلة عن بقية السجناء، لمنع أي فرصة تسمح بتجنيد أيٍ منهم من قبل السجناء المتطرفين، خصوصًا بعد أن لوحظ أن معظم من شنوا الهجمات الإرهابية على فرنسا، كانوا مجرد سجناء عاديين، وتم تجنيدهم من قبل المتطرفين داخل السجون.بالطبع لم تكتف فرنسا بهذه الإجراءات فقط، إنما اتخذت العديد من الإجراءات العسكرية في الخارج، تباعًا للهجمات التي وقعت في كل من باريس ونيس، بتوعد فرنسا بزيادة الهجمات الجوية على سوريا والعراق.

المقاتلون الأجانب .. صداع في رأس فرنسا

و تظهر دراسة هولندية أن الفرنسيين يشكلون أكبر عدد من “المقاتلين الأجانب” في صفوف المتشددين في سوريا من الدول الأوروبية ، ويشكل الأوروبيون الذين يقاتلون مع الجماعات الإرهابية في سوريا والعراق أحد أبرز المخاوف الأمنية في أوروبا لعدة سنوات قادمة وفق رويترز.

وشارك “المقاتلون الأجانب” العائدون في هجمات في باريس وبروكسل خلال عام 2015 ، وتقول الدراسة التي أعدها المركز الدولي لمكافحة الإرهاب في لاهاي إن دول الاتحاد الأوروبي يجب ألا تتساهل مع مواطنيها الذين يغادرون للقتال في الشرق الأوسط.وكتب الباحثون في الدراسة “العديد من المنظمات الإرهابية تهدف إلى تقويض المجتمعات القائمة على التسامح والتعدد وحكم القانون… يبدو أن هناك قصورا في إدراك هذا الخطر ووضع السياسات المناسبة لمكافحته.”

وفي المجمل سافر ما يصل إلى 4294 أوروبيا للقتال في سوريا عاد منهم إلى أوروبا 30 بالمئة وتأكد مقتل 14 بالمئة. وتقول الدراسة إن نحو 17 بالمئة منهم من النساء وإن 23 بالمئة اعتنقوا الإسلام. وجاء أغلبهم من مناطق حضرية أو ضواحي المدن بالقارة الأوروبية.

مع انهيار تنظيم داعش، بدأ ما يطلق عليهم اسم “المهاجرون” وهم المقاتلون الأجانب الذي انضموا إلى التنظيم الإرهابي، بمغادرة التنظيم والعودة إلى بلادهم، لا سيما الفرنسيون منهم ، وبحسب “الأناضول” أعلنت السلطات الفرنسية عودة 200 عضو من داعش إلى فرنسا، واحتمال أن يصل الرقم إلى 700.وتزداد المخاوف من أن يعود هؤلاء بطريقة غير قانونية، إذ يمثلون تهديداً كبيرا على الأمن الداخلي ، مثلاً، كيفن غيافارش، 23 عاماً، واحد من أوائل من انضم إلى تنظيم داعش الإرهابي نهاية عام 2012، قد قرر أخيراً العودة إلى فرنسا مع زوجاته الأربع وأولاده الستة. خوفاً على عائلته من الموت.

الداخل الفرنسي وأزمة عودة المقاتلون الأجانب

وبعد مفاوضات مع القنصلية الفرنسية، حصل هذا المقاتل الفرنسي على الضوء الأخضر، في شهريونيو 2016، بأن يقطع الحدود ويسلم نفسه للشرطة الفرنسية.أمضت زوجاته أربعة أشهر معتقلات في تركيا وقد أطلق سراحهن مؤخرا وعدن إلى فرنسا حيث خضعت ثلاث منهن للاعتقال المؤقت بينما وضعت الرابعة تحت المراقبة القضائية ، وعُهد بالأطفال، ومنهم 4 ولدوا في سوريا، إلى جمعية خاصة.

أما الفرنسي المنتمي إلى تنظيم داعش الإرهابي، فلا يزال ينتظر كلمة القضاء التركي بحقه ، والواقع أن عناصر داعش الإرهابيين يخشون أيضا من السكان المحليين، كلما انهارت إحدى نقاط سيطرتهم: “عندما ستسقط الرقة، فالاحتمال الكبير أن يثأر أهلها من داعش، وهم في هذه الحالة، يفضلون مواجهة القضاء الفرنسي والسجن الفرنسي على أن يواجهوا الناس”.

كلمة “العائدون” يدل بها الفرنسيون على رجال ونساء انضموا إلى تنظيم داعش الإرهابي في سوريا والعراق لأسباب مختلفة منذ 2012، وهم الآن يخرجون من صفوفه ليعودوا إلى بلدانهم الأصلية، يدفعهم إلى ذلك الوضع العسكري السيء جدا للتنظيم، أما عن أسباب عودتهم فتراوح بين من خاب أمله بين ما كان يتوقعه وما رآه، وبين خائف من التنظيم نفسه الذي ينتمي إليه إذ يكفي الخليفة أن يشك في نية أحدهم بالعودة حتى يأمر بقتله، ومن بات يرى أن نهاية التنظيم وشيكة.

ويذكر تقرير لرويترز أن الظاهرة ليست جديدة، فقد شهدها العالم خلال العقود الماضية، في الحروب التي جرت في العراق وأفغانستان والبوسنة. الجديد في الأمر هو حجم الظاهرة اليوم وحجم الإرهاب غير المسبوق الذي اقترفه ويقترفه تنظيم داعش الإرهابي.

صعوبات مواجهة السلطات الفرنسية للمقاتلون الاجانب

وتجد السلطات الفرنسية صعوبة بالغة في تقدير عدد من انضم من مواطنيها إلى داعش الإرهابي ومن انشق عنه مؤخرا، إضافة إلى ورود معلومات عن أن التنظيم قد أعدم عدداً غير معروف منهم ممن حاول الفرار، فالرهان الكبير هو التعامل معهم بعد عودتهم إلى فرنسا، وقد اختارت فرنسا تجريمهم بتهمة “المشاركة مع مجرمين بهدف القيام بأعمال إرهابية”، ثم وضعهم في السجن الاحترازي.

فالإنضمام إلى صفوف داعش اليوم يستوجب حكما بالسجن يراوح بين 20 و 30 عاماً. وحاليا، هناك حوالي 300 سجين متطرف محتجزين في ظروف أشبه بالسجن الانفرادي ، ثم تأتي قضية إخراجهم من دائرة التطرف وإعادة إدماجهم في المجتمع، وهو أمر ليس لفرنسا، ولا للدول الأوربية، أي برنامج حوله.

و يتساءل الصحفي نيقولا هينان في كتابه “أكاديمية الجهاد”: “من سيسأل هؤلاء العائدين عما ارتكبوه في سوريا من فظائع؟ ومن سيسألهم كم مواطناً مدنياً قتلوا؟ ومن سيحاسبهم على جرائهم التي ارتكبوها هناك”، إذ لا يكفي، برأيه، أن ننظر إلى هؤلاء الدواعش السابقين فقط من منظار أمن وسلامة فرنسا. وتنقل وكالة الصحافة الفرنسية عن المنسق الوطني للاستخبارات الفرنسية ديديه لو بري، قوله إن مقاتلي داعش “يشعرون بأن العد العكسي قد بدأ، كثيرون بدأوا يوجهون لنا رسائل ليعرفوا كيف يمكنهم العودة، لم تعد الخلافة المظفرة في طور التوسع، ونعرف أن بعضهم يتعرض للقتل عندما يحاول الهرب”.

وبدوره، قال المدير العام للأمن الداخلي في فرنسا باتريك كالفار لوكالة الصحافة الفرنسية إن “244 شخصا عادوا من سوريا والعراق إلى فرنسا”، في منتصف مايو 2016، مضيفاً “نحن نشهد زيادة في عدد الذين يعبرون عن رغبتهم بالعودة إلى هنا”.ويذكر تقرير لـ “سبوتنيك” أن فرنسا تعرضت منذ أواخر عام 2016، لموجة من العمليات الإرهابية، أبرزها مقتل 132 شخصا في سلسلة هجمات متزامنة وقعت، في نوفمبر2016 ، بمسرح “باتاكالان” وستاد دو فرانس وأماكن أخرى، وحادث دهس 84 مواطنا بشاحنة في نيس، قبل فترة قصيرة من ذبح الكاهن المسن جاك هامل (84 عاما) على يد إرهابيين في كنيسة مدينة روان.

 

*حقوق النشر محفوظة للمركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

اخر المقالات