آليات الإقناع والأسس الفنية لظاهرة غسل الدماغ

آليات الإقناع والأسس الفنية لظاهرة غسل الدماغ

إعداد: الدكتور العميد سعد معن

 المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

يرى المختصون أن ميدان الدعاية والإعلان يجب أن يخضع للتقنين والإشراف والترشيد وان يلتزم بأدبيات وأخلاقيات التحوير والإقناع، حتى لا يتحول إلى وسيلة استغلال نفسي ومادي،  وعلى العموم فإن تطبيقات عمليات غسل الدماغ وتحوير الفكر كثيرة ومتشعبة وشاملة لكل مناحي حياة الفرد والجماعة.


ثلاثة أسئلة تشكل إجاباتها خريطة طريق لتحديد “ظاهرة غسل الدماغ الاتصالية” هي

  • ماهي الأسس النفسية والفسيولوجية للهيمنة على الفكر؟
  • وما هي آليات الإقناع؟
  • وما هي أسلحة معركة الاستئثار بالدماغ البشري على المستوى العام والفردي؟

وفي البداية ينبغي علينا كمجتمع وكأفراد أن نتعرف على أسلحة المعركة العقلية حتى لا نقع ضحية لها, ذلك أن للمعركة الدماغية آليات وفنوناً وتكنيكاً،  فيقول المختصون إن من يريد أن يؤثر فينا عليه أولاً أن يسبر أغوارنا ليكتشف المواضع الحساسة والضعيفة فينا، ليتلاعب بها أو يهاجمها وفق غاياته.

ويتطلب سبر الأغوار هذا معلومات وفيرة في علم النفس وعلم وظائف الأعضاء وعلوم الاجتماع وعلم الإنسان, فلم يعد التأثير في عقول الناس كما كان في المجتمعات القديمة البسيطة يعتمد على الوسائل الفطرية التجريبية العفوية، بل أصبحت له اليوم أساليب نفسية محكمة ،إذ تتطلب  إدارة اتجاه إنسان الاقتراب من مداخل شخصيته واستعداده وفك رموز تركيبته الخاصة, كما أن إدارة اتجاه مجتمع تتطلب إدراك محاور طبيعته وتراثه وقيمه السائدة ومفاهيمه وثقافته المحلية.

كذلك من العوامل النفسية والفسيولوجية، التي تخدم آلية التحفيز الدماغي وتحوير الأفكار والاتجاهات، عامل الشدائد النفسية والعاطفية. كأن يمر الإنسان (أو المجتمع بصفة عامة) بفترة عصيبة أو حالة صدمة حادة أو أزمة أو كرب أو شدة تؤثر في فاعلية المخ.

ذلك أن الشدائد على أنواعها تجعل المخ قابلاً للالتقاط والإيحاء، ومن ثم الانعطاف إلى اتجاه آخر, فالعوامل النفسية تعرض الدماغ إلى اضطراب وانفعال وتوتر داخلي بحيث يصبح بعدئذ من اليسير زعزعة اتجاهاته وانطباعاته السابقة وإحلال أخرى محلها، باستغلال تلك الحالة الوقتية للدماغ والتي يكون فيها مفككا ومتهيئا لتقبل الإيحاء والاتجاه الجديد.

مثال ذلك مجتمع يعاني من ضغوط عسكرية واقتصادية بسبب استعمار أو احتلال، أو شخص يعاني من أزمة نفسية أو موت إنسان عزيز، كل هذه أمثلة على الشدائد التي قد يمر بها المجتمع أو الفرد، مما يجعله قابلا للتحوير الفكري والنفسي.

وتجدر الإشارة إلى أن غسيل الدماغ وتحوير الفكر لا يغير من صفات الشخص الأساسية، ولكن أفكاره واتجاهاته نحو الأشياء أو الأشخاص هي التي تتعرض للتغيير والتلاعب ، ويحدد المختصون والخبراء أسس السيطرة على الدماغ وتحوير الفكر والاتجاه بالاتي:
1ـ  تغيير الإطار العام للاتجاه، أي تغيير المرجع والمنبع الذي يستقي منه الفرد اتجاهاته, ويشمل تغيير هذا الإطار تغيير الجماعة والمحيط العائلي والأصدقاء والمفاهيم السابقة.

2 ـ  تغيير موضوع الاتجاه، أي تحويره حسب المطلوب, فيتم استبدال الاتجاه أو الشعور نحو شخص ما من شعور بالمحبة والارتياح إلى شعور بعدم الارتياح أو حتى الكراهية.

3ـ  استخدام وسائل التوجيه المدروسة والمخططة، بإعطاء جرعات متواصلة من المعلومات السلبية التي تقوم على التضليل والمغالطات واستغلال الأحداث وإبرازها وتضخيم ما يخدم الأغراض وعرض أجزاء مختارة من الحقائق والمقتطفات وطمس الأخرى حسب ما يخدم الهدف، حتى تتكون الصورة السلبية المطلوبة لتغيير الموقف العقلي والنفسي تجاه شخص ما.

4ـ  تغيير الأصدقاء والمقربين ومنع الاتصال بالأشخاص الذين يخشى منهم تغيير الأفكار الجديدة.

 أدوات ووسائل التحوير الفكري

ما هي أدوات ووسائل التحوير الفكري والتأثير في الآخرين؟

تكون البداية بالالتفاف حول الفريسة، والتواجد الصارم المتواصل، والعزل المعنوي عن الآخرين للتمكن التام من تلك الفريسة، ويرى الخبراء إن أهم أداة، كانت ولا تزال، هي (الكلمة).وسحر الكلمة سبق كل سحر وفن، (إن من البيان لسحراً)، فتأثير الكلمة في الآخر يتم عن طريق الأساليب المتقنة من تكرار وإثارة عاطفية والتفنن في العرض ومحاولة الوصول إلى أعماق المتلقي، وبسحر الكلام استطاع الإنسان أن يقنع غيره, والقوة والقسر لا يؤديان مفعول الكلمة، ولذلك كانت سبل الكلام هي الوسائل النفسية التي تغاير مفعول القوة والإكراه.

وبعد أن تنجح الخطوة الأولى في التحوير والإقناع والمذهبة، وتنغرس الفكرة أو الاتجاه الجديد في عقل الفرد، تكون المرحلة التالية أشد أهمية في تثبيت وتعزيز التحول, فالاتجاهات الجديدة المغروسة تحتاج إلى الرعاية, وهو ما يسمى ب (مرحلة الرعاية الأولية).

وهكذا يكون التمريض الفكري والرعاية، الوجدانية جاهزة بعد كل تجربة إقطاعية؛ لذلك فإن من يمارس التحوير والمذهبة تجده يحيط بالضحية ولا ينفك عن التأثير فيه بتكرار آرائه واتجاهاته لغرسها في عقله وترسيخها، لأن التكرار والإعادة والمثابرة والملاحقة والاستمرار والمواظبة من وسائل الولوج إلى العقل والسيطرة عليه, لأن ذلك يرفع من قابليته للإيحاء ويهبط من قابليته للنقد الذاتي والمناقشة ويخفض حدة نباهته ويضعف ميزانه الداخلي ويفقده معالم شخصيته، مما يكون له مفعوله في تقبل الآراء والإيحاءات والمسايرة والرضوخ وعدم التبصر والوهن في الحكمة.

حقاً كما يقول احد المفكرين أن الشيء القبيح والمزرى في كل عملية لتبديل الاتجاهات والسيطرة على الدماغ منذ غابر العصور وحتى الآن هو (الاستغلال الخبيث)، كاستغلال المستعمرين للشعوب واحتلال أراضيها، على المستوى العام ،واستغلال الإنسان الماكر الخبيث لأخيه الإنسان الغافل، على المستوى الفردي.

الأسس العلمية لغسل الدماغ

يمكن تحديد ابرز الأسس العلمية لغسل الدماغ بالاتي :

1 . وضع الفرد المستهدف في حالة من الصداع والتحفز العصبي الذي يؤدي الى إرهاق العقل والجهاز العصبي بحيث يرتد إلى حالة الإنهاك والاستسلام فيفرغ ما فيه من عادات وأفكار سابقة نتيجة الضغط النفسي الواقع عليه وهذا هو ما نسميه بعملية التنفيس والضغط النفسي .

2 . ويتبع التنفيس والتفريغ العقلي زرع وبث الأفكار والاتجاهات الجديدة بالإيحاء في أثناء الاستفاقة والرجوع إلى الطبيعة إذ يكون الجهاز العصبي في حالة الاستسلام وتقبل الجديد من الأفكار والسلوك ،وهذه هي عملية خاصة من ( الترويض الفكري ) والرعاية النفسية الموجهة .

3 . ثم يتعرض الفرد بعد ذلك الى سيل متدفق وأسماء متكررة من تلك الأفكار الجديدة ـ بأساليب وصيغ مختلفة  ـ وحتى يعتنقها ، وبهدف تحويل هذه الأسس الثلاث التي تعتمد لعمليات غسل الدماغ ، يقوم المشرفون عليها باستخدام عدد من وسائل الضغط والإحباط مستفيدين من العلوم النفسية والطبية في تنفيذ إجراءاتها .

 غسل الدماغ طريقة فنية وتقنية

يورد الدكتور عواد أنموذجا من نماذج تقنيات غسل الدماغ بالشكل الآتي :

1 . عزل الفرد اجتماعيا وحرمانه من المثيرات الخاصة بالموضوعات المطلوب غسلها .

2 . مناداته برقم وليس باسمه .

3 . إخضاعه لظروف الجوع والعطش والتعب والألم والتقلبات المناخية وكافة أساليب التعذيب وحتى الغربية منها .

4 . استخدام العقاقير المخدرة والكحول لإضعاف إرادته والذاكرة ودفعه إلى مناخ الاتكالية والتبعية .

5 . خلق الشك لديه في أصدقائه وحلفائه وصولا إلى القضاء على الولاء لماضيه .

6 . تقليل ساعات النوم والحرمان منه أحيانا فيدخل في حالة من الاكتئاب وعدم القدرة على القيام بأي نشاط .

ويضيف الدكتور الحارث عبد الحميد حسن أساليب أخرى لغسل الدماغ هي :

1 . بعد عزل الفرد عن الحياة العامة تركه لمدة طويلة دون أن توجه له أية اتهامات.

2 . جعله يدرك بأن اعز الناس إليه قد تخلى عنه من أهل وأقارب وجماعات ينتمي إليها.

3 . الحرمان من الطعام أو الإقلال من كميته إلى نسبة معينة فقط للإبقاء على حياته .

4 . إضعاف قدرته وعدم تمكنه من التحكم بإرادته من خلال استخدام العقاقير والمخدرات .

5 . استخدام الصدمات الكهربائية .

6 . إقلال ساعات النوم أو حرمانه منها .

7 . خلق حالة من الخوف والقلق لديه يوميا .

8 . إشعاره بأنه تحت طائلة الإعدام .

9 . التعذيب النفسي والجسدي بكل أشكاله .

10 . حرمانه من الملابس الكافية .

11 . إيصاله إلى حالة يريد الخلاص من نفسه .

12 . إقناعه بأنه متهم بتهمة خطيرة وانه مذنب ولابد له من الاعتراف والا بقى على هذه الحالة .

*حقوق النشر محفوظة للمركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

الدكتور العميد سعد معن

اخر المقالات